تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
الْغَرْبِيِّ
[ القصص : 44 ] ويحتمل أن يقول : نحس ليس بنعت ، بل هو اسم معنى أو مصدر ، فيكون كقولهم يوم برد وحر ، وهو أقرب وأصح . المسألة الخامسة : ما معنى
مُسْتَمِرٍّ
؟ نقول فيه وجوه الأول : ممتد ثابت مدة مديدة من استمر الأمر إذا دام ، وهذا كقوله تعالى :
فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ
[ فصلت : 16 ] لأن الجمع يفيد معنى الاستمرار والامتداد ، وكذلك قوله :
حُسُوماً
[ الحاقة : 7 ] الثاني : شديد من المرة كما قلنا من قبل في قوله :
سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
[ القمر : 2 ] وهذا كقولهم أيام الشدائد ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ
( عذاب الخزي ) « 1 » [ فصلت : 16 ] فإنه يذيقهم المر المضر من العذاب . ثم قال تعالى :

[ سورة القمر ( 54 ) : آية 20 ]

تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فيه مسائل : المسألة الأولى :
تَنْزِعُ النَّاسَ
وصف أو حال ؟ نقول : يحتمل الأمرين جميعا ، إذ يصح أن يقال : أرسل ريحا صرصرا نازعة للناس ، ويصح أن يقال : أرسل الريح نازعة ، فإن قيل : كيف يمكن جعلها حالا ، وذو الحال نكرة ؟ نقول : الأمر هنا أهون منه في قوله تعالى :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
[ القمر : 4 ] فإنه نكرة ، وأجابوا عنه بأن ( ما ) موصوفة فتخصصت فحسن جعلها ذات الحال ، فكذلك نقول هاهنا الريح موصوفة بالصرصر ، والتنكير فيه للتعظيم ، وإلا فهي ثلاثة فلا يبعد جعلها ذات حال ، وفيه وجه آخر ، وهو أنه كلام مستأنف على فعل وفاعل ، كما تقول : جاء زيد جذبني ، وتقديره جاء فجذبني ، كذلك هاهنا قال :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً
[ القمر : 19 ] / فأصبحت
تَنْزِعُ النَّاسَ
ويدل عليه قوله تعالى :
فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى
[ الحاقة : 7 ] فالتاء في قوله :
تَنْزِعُ النَّاسَ
إشارة إلى ما أشار إليه بقوله :
صَرْعى
وقوله تعالى :
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
فيه وجوه أحدها : نزعتهم فصرعتهم :
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ
كما قال :
صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ
[ الحاقة : 7 ] ثانيها : نزعتهم فهم بعد النزع : كأنهم أعجاز نخل وهذا أقرب ، لأن الانقعار قبل الوقوع ، فكأن الريح تنزع [ الواحد ] وتقعر [ ه ] فينقعر فيقع فيكون صريعا ، فيخلو الموضع عنه فيخوى ، وقوله في الحاقة :
فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
إشارة إلى حالة بعد الانقعار الذي هو بعد النزع ، وهذا يفيد أن الحكاية هاهنا مختصرة حيث لم يشر إلى صرعهم وخلو منازلهم عنهم بالكلية ، فإن حال الانقعار لا يحصل الخلو التام إذ هو مثل الشروع في الخروج والأخذ فيه ثالثها : تنزعهم نزعا بعنف كأنهم أعجاز نخل تقعرهم فينقعروا إشارة إلى قوتهم وثباتهم على الأرض ، وفي المعنى وجوه أحدها : أنه ذكر ذلك إشارة إلى عظمة أجسادهم وطول أقدادهم ثانيها : ذكره إشارة إلى ثباتهم في الأرض ، فكأنهم كانوا يعملون أرجلهم في الأرض ويقصدون المنع به على الريح وثالثها : ذكره إشارة إلى يبسهم وجفافهم بالريح ، فكانت تقتلهم وتحرقهم ببردها المفرط فيقعون كأنهم أخشاب يابسة . المسألة الثانية : قال هاهنا :
مُنْقَعِرٍ
فذكر النخل ، وقال في الحاقة :
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
فأنثها ، قال المفسرون : في تلك السورة كانت أواخر الآيات تقتضي ذلك لقوله :
مُسْتَمِرٍّ
* و
مُنْهَمِرٍ
* و
مُنْتَشِرٌ
[ القمر : 19 ، 11 ، 7 ] وهو جواب حسن ، فإن الكلام كما يزين بحسن المعنى يزين بحسن اللفظ ، ويمكن أن يقال :
هامش
( 1 ) ما بين القوسين في المطبوعة ( بعض الذي ) وهو خطأ .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 304 | فخر الدين الرازي