نقول : إنه هو النور ، لأنه بواسطته اهتدى ، الخلق ، أو هو النور لكونه مبينا للناس ما نزل إليهم ، والمبين هو النور ، ثم الفوائد في كونه نورا وجوه منها : أنه يدل على علو شأنه وعظمة برهانه ، وذلك لوجهين أحدهما :
الوصف بالنور وثانيهما : الإضافة إلى الحضرة ، ومنها : أنه إذا كان نورا من أنوار اللَّه تعالى كان مشرقا في جميع أقطار العالم ، لأنه لا يكون مخصوصا ببعض الجوانب ، فكان رسولا إلى جميع الخلائق ، لما
روي عنه صلى اللَّه عليه وسلم : « بعثت إلى الأحمر والأسود »
فلا يوجد شخص من الجن والإنس إلا ويكون من أمته إن كان مؤمنا فهو من أمة المتابعة ، وإن كان كافرا فهو من أمة الدعوة .
وقوله تعالى :
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
أي اليهود والنصارى وغيرهم من المشركين ، وقوله :
بِالْهُدى
لمن أتبعه
وَدِينِ الْحَقِّ
قيل : الحق هو اللَّه تعالى ، أي دين اللَّه : وقيل : نعت للدين ، أي والدين هو الحق ، وقيل : الذي يحق أن يتبعه كل أحد و
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
يريد الإسلام ، وقيل : ليظهره ، أي الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بالغلبة وذلك بالحجة ، وهاهنا مباحث :
الأول :
وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ
والتمام لا يكون إلا عند النقصان ، فكيف نقصان هذا النور ؟ فنقول إتمامه بحسب النقصان في الأثر ، وهو الظهور في سائر البلاد من المشارق إلى المغارب ، إذ الظهور لا يظهر إلا بالإظهار وهو الإتمام ، يؤيده قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[ المائدة : 3 ] وعن أبي هريرة : أن ذلك عند نزول عيسى من السماء ، قال مجاهد .
الثاني : قال هاهنا :
مُتِمُّ نُورِهِ
وقال في موضع آخر :
مَثَلُ نُورِهِ
[ النور : 35 ] وهذا عين ذلك أو غيره ؟ نقول : هو غيره ، لأن نور اللَّه في ذلك الموضع هو اللَّه تعالى عند أهل التحقيق ، وهنا هو الدين أو الكتاب أو الرسول .
الثالث : قال في الآية المتقدمة :
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
وقال في المتأخرة :
وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
فما الحكمة فيه ؟ فنقول : إنهم أنكروا الرسول ، وما أنزل إليه وهو الكتاب ، وذلك من نعم اللَّه ، والكافرون كلهم في كفران النعم ، فلهذا قال :
وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
ولأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك ، والمراد من الكافرين هاهنا اليهود والنصارى والمشركون ، وهنا ذكر النور وإطفاءه ، واللائق به الكفر لأنه الستر والتغطية ، لأن من يحاول الإطفاء إنما يريد الزوال ، وفي الآية الثانية ذكر الرسول والإرسال ودين الحق ، وذلك منزلة عظيمة للرسول عليه السلام ، وهي اعتراض على اللَّه تعالى كما قال :
ألا قل لمن ظل لي حاسدا * أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على اللَّه في فعله * كأنه لم تعرض لي ما وهب
والاعتراض قريب من الشرك ، ولأن الحاسدين للرسول عليه السلام ، كان أكثرهم من قريش وهم المشركون ، ولما كان النور أعم من الدين والرسول ، لا جرم قابله بالكافرين الذين هم جميع مخالفي الإسلام والإرسال ، والرسول والدين أخص من النور قابله بالمشركين الذين هم أخص من الكافرين . ثم قال تعالى :
[ سورة الصف ( 61 ) : الآيات 10 إلى 11 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 10 ) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 11 )