تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم

سورة الصف

أربع عشرة آية مكية

[ سورة الصف ( 61 ) : الآيات 1 إلى 2 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ ( 2 ) وجه التعلق بما قبلها هو أن في تلك السورة بيان الخروج جهادا في سبيل اللَّه وابتغاء مرضاته بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي
[ الممتحنة : 1 ] وفي هذه السورة بيان ما يحمل أهل الإيمان ويحثهم على الجهاد بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
[ الصف : 4 ] وأما الأول بالآخر ، فكأنه قال : إن كان الكفرة بجهلهم يصفون لحضرتنا المقدسة بما لا يليق بالحضرة ، فقد كانت الملائكة وغيرهم من الإنس والجن يسبحون لحضرتنا ، كما قال :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض و
الْعَزِيزُ
من عز إذا غلب ، وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن يغلب عليه غيره و
الْحَكِيمُ
من حكم على الشيء إذا قضى عليه ، وهو الذي يحكم على غيره ، أي شيء كان ذلك الغير ، ولا يمكن أن يحكم عليه غيره ، فقوله :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
يدل على الربوبية والوحدانية إذن ، ثم إنه تعالى قال في البعض من السور :
سَبَّحَ لِلَّهِ
[ الحديد : 1 ، الحشر : 1 ] ، وفي البعض :
يُسَبِّحُ *
[ الجمعة : 1 ، التغاب : 1 ] ، وفي البعض :
سَبِّحِ
[ الأعلى : 1 ] بصيغة الأمر ، ليعلم أن تسبيح حضرة اللَّه تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان ، والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان ، والأمر يدل عليه في الحال ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
منهم من قال : هذه الآية في حق جماعة من المؤمنين ، وهم الذين أحبوا أن يعلموا بأحب الأعمال إلى اللَّه ، فأنزل اللَّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ
[ الصف : 10 ] الآية و
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ
[ الصف : 4 ] فأحبوا الحياة وتولوا يوم أحد فأنزل اللَّه تعالى :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
وقيل في حق من يقول : قالت ولم يقاتل ، وطعنت ولم يطعن ، وفعلت ولم يفعل ، وقيل : / إنها في حق أهل النفاق في القتال ، لأنهم تمنوا القتال ، فلما أمر اللَّه تعالى به قالوا :
لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ
[ النساء : 77 ] وقيل : إنها في حق كل مؤمن ، لأنهم قد اعتقدوا والوفاء بما وعدهم اللَّه به من الطاعة والاستسلام والخضوع والخشوع فإذا لم