الكتاب ، أي أول مرة حشروا وأخرجوا من جزيرة / العرب لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك ، لأنهم كانوا أهل منعة وعز وثانيها : أنه تعالى جعل إخراجهم من المدينة حشرا ، وجعله أول الحشر من حيث يحشر الناس للساعة إلى ناحية الشام ، ثم تدركهم الساعة هناك وثالثها : أن هذا أول حشرهم ، وأما آخر حشرهم فهو إجلاء عمر إياهم من خيبر إلى الشام ورابعها : معناه أخرجهم من ديارهم لأول ما يحشرهم لقتالهم ، لأنه أول قتال قاتلهم رسول اللَّه وخامسها : قال قتادة هذا أول الحشر ، والحشر الثاني نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، تبيت معهم حيث باتوا ، وتقيل معهم حيث قالوا : وذكروا أن تلك النار ترى بالليل ولا ترى بالنهار .
قوله تعالى :
ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا
قال ابن عباس : إن المسلمين ظنوا أنهم لعزتهم وقوتهم لا يحتاجون إلى أن يخرجوا من ديارهم ، وإنما ذكر اللَّه تعالى ذلك تعظيما لهذه النعمة ، فإن النعمة إذا وردت على المرء والظن بخلافه تكون أعظم ، فالمسلمون ما ظنوا أنهم يصلون إلى مرادهم في خروج هؤلاء اليهود ، فيتخلصون من ضرر مكايدهم ، فلما تيسر لهم ذلك كان توقع هذه النعمة أعظم .
قوله تعالى :
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ
قالوا كانت حصونهم منيعة فظنوا أنها تمنعهم من رسول اللَّه ، وفي الآية تشريف عظيم لرسول اللَّه ، فإنها تدل على أن معاملتهم مع رسول اللَّه هي بعينها نفس المعاملة مع اللَّه ، فإن قيل : ما الفرق بين قولك : ظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم وبين النظم الذي جاء عليه ، قلنا : في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم ، وفي تصيير ضميرهم اسما ، وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة لا يبالون بأحد يطمع في منازعتهم ، وهذه المعاني لا تحصل في قولك : وظنوا أن حصونهم تمنعهم .
قوله تعالى :
فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : في الآية وجهان الأول : أن يكون الضمير في قوله :
فَأَتاهُمُ
عائد إلى اليهود ، أي فأتاهم عذاب اللَّه وأخذهم من حيث لم يحتسبوا والثاني : أن يكون عائدا إلى المؤمنين أي فأتاهم نصر اللَّه وتقويته من حيث لم يحتسبوا ، ومعنى : لم يحتسبوا ، أي لم يظنوا ولم يخطر ببالهم ، وذلك بسبب أمرين أحدهما : قتل رئيسهم كعب بن الأشرف على يد أخيه غيلة ، وذلك مما أضعف قوتهم ، وفتت عضدهم ، وقل من شوكتهم والثاني : بما قذف في قلوبهم من الرعب .
المسألة الثانية : قوله :
فَأَتاهُمُ اللَّهُ
لا يمكن إجراؤه على ظاهره باتفاق جمهور العقلاء ، فدل على أن باب التأويل مفتوح ، وأن صرف الآيات عن ظواهرها بمقتضى الدلائل العقلية جائز .
المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف : قرئ
فَآتاهُمُ اللَّهُ
أي فآتاهم الهلاك ، واعلم أن هذه القراءة لا تدفع ما بيناه من وجوه التأويل ، لأن هذه القراءة لا تدفع القراءة الأولى ، فإنها ثابتة بالتواتر ، ومتى كانت ثابتة بالتواتر لا يمكن دفعها ، بل لا بد فيها من التأويل .