قبله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ *
[ الزخرف : 87 ] وقال من قبل :
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ
[ الزخرف : 81 ] وكان هو المخاطب أولا ، إذا تحقق هذا ؟ نقول : إذا تفكرت في استعمال لفظ القيل في القرآن ترى ما ذكرنا ملحوظا مراعى ، فقال هاهنا :
إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً
لعدم اختصاص هذا القول بقائل دون قائل فيسمع هذا القول دائما من الملائكة والناس كما قال تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ
[ الرعد : 23 ، 24 ] وقال تعالى :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] حيث كان المسلم منفردا ، وهو اللَّه كأنه قال : سلام قولا منا ، وقال تعالى :
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً
[ فصلت : 33 ] وقال :
هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
[ المزمل : 6 ] لأن الداعي معين وهم الرسل ومن اتبعهم من الأمة وكل من قام ليلا فإن قوله : قويم ، ونهجه مستقيم ، وقال تعالى :
وَقِيلِهِ يا رَبِّ
[ الزخرف : 88 ] لأن كل أحد يقول :
إنهم لا يؤمنون . أما هم فلاعترافهم ولإقرارهم وأما غيرهم فلكفرانهم بإسرافهم وإصرارهم ، ويؤيد ما ذكرنا أنه تعالى قال :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً
والاستثناء المتصل يقرب إلى المعنى بالنسبة إلى غيره وهو قول لا يعرف قائله ، فقال :
إِلَّا قِيلًا
وهو سلام عليك ، وأما قول من يعرف وهو اللَّه فهو الأبعد عن اللغو غاية البعد وبينهما نهاية الخلاف فقال :
سَلامٌ قَوْلًا
[ يس : 58 ] .
المسألة السادسة : ( سلام ) ، فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه صفة وصف اللَّه تعالى بها
قِيلًا
كما يوصف الشيء بالمصدر حيث يقال : رجل عدل ، وقوم صوم ، ومعناه إلا قيلا سالما عن العيوب ، وثانيها : هو مصدر تقديره ، إلا أن يقولوا سلاما وثالثها : هو بدل من
قِيلًا
، تقديره : إلا سلاما .
المسألة السابعة : تكرير السلام هل فيه فائدة ؟ نقول : فيه إشارة إلى تمام النعمة ، وذلك لأن أثر السلام في الدنيا لا يتم إلا بالتسليم ورد السلام ، فكما أن أحد المتلاقيين في الدنيا يقول للآخر : السلام عليك ، فيقول الآخر : وعليك السلام ، فكذلك في الآخرة يقولون :
سَلاماً سَلاماً
ثم إنه تعالى لما قال :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
[ يس : 58 ] لم يكن له رد لأن تسليم اللَّه على عبده مؤمن له ، فأما اللَّه تعالى فهو منزه عن أن يؤمنه أحد ، بل الرد إن كان فهو قول المؤمن : سلام علينا وعلى عباد اللَّه الصالحين .
المسألة الثامنة : ما الفرق بين قوله تعالى :
سَلاماً سَلاماً
بنصبهما ، وبين قوله تعالى :
قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ *
[ هود : 69 ] قلنا : قد ذكرنا هناك أن قوله :
سَلامٌ عَلَيْكَ
أتم وأبلغ من قولهم سلاما عليك فإبراهيم عليه السلام أراد أن يتفضل عليهم بالذكر ويجيبهم بأحسن ما حيوا ، وأما هنا فلا يتفضل أحد من أهل الجنة على الآخر مثل التفضل في تلك الصورة إذ هم من جنس واحد ، وهم المؤمنون ولا ينسب أحد إلى أحد تقصيرا .
المسألة التاسعة : إذا كان قول القائل :
سَلامٌ عَلَيْكَ
أتم وأبلغ فما بال القراءة المشهورة / صارت بالنصب ، ومن قرأ ( سلام ) ليس مثل الذي قرأ بالنصب ، نقول ذلك من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأنه يستثنى من المسموع وهو مفعول منصوب ، فالنصب بقوله :
لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً
وأما المعنى فلأنا بينا أن الاستثناء متصل ، وقولهم :
سَلامٌ
أبعد من اللغو من قولهم :
سَلاماً
فقال :
إِلَّا قِيلًا سَلاماً
ليكون أقرب إلى اللغو من غيره ، وإن كان في نفسه بعيدا عنه . ثم قال تعالى :
[ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 27 إلى 29 ]
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ( 29 )