[ النجم : 29 ] وكان التولي من جملة أنواعه تولي المستغني ، فإن العالم بالشيء لا يحضر مجالس ذكر ذلك الشيء ، ويسعى في تحصيل غيره ، فقال
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى
عن استغناء ، أعلم بالغيب ؟ .
المسألة الثانية : الفاء تقتضي كلاما يترتب هذا عليه ، فما ذا هو ؟ نقول : هو ما تقدم من بيان علم اللّه وقدرته ، ووعده المسئ والمحسن بالجزاء وتقديره هو أن اللّه تعالى لما بين أن الجزاء لا بد من وقوعه على الإساءة والإحسان ، وأن المحسن هو الذي يجتنب كبائر الإثم ، فلم يكن الإنسان مستغنيا عن سماع كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم وأتباعه ، فبعد هذا من تولى لا يكون توليه إلا بعد غاية الحاجة ونهاية الافتقار .
المسألة الثالثة :
الَّذِي
على ما قال بعض المفسرين عائد إلى معلوم ، وهو ذلك الرجل وهو الوليد ، والظاهر أنه عائد إلى مذكور ، فإن اللّه تعالى قال من قبل
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا
وهو المعلوم لأن الأمر بالإعراض غير مختص بواحد من المعاندين فقال :
أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى
أي الذي سبق ذكره ، فإن قيل :
كان ينبغي أن يقول الذين تولوا ، لأن ( من ) في قوله :
عَنْ مَنْ تَوَلَّى
للعموم ؟ نقول : العود إلى اللفظ كثير شائع قال تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ *
[ القصص : 84 ] ولم يقل فلهم .
المسألة الرابعة : قوله تعالى :
وَأَعْطى قَلِيلًا
ما المراد منه ؟ نقول : على ما تقدم هو المقدار الذي أعطاه الوليد ، وقوله :
وَأَكْدى
هو ما أمسك عنه ولم يعط الكل ، وعلى هذا لو قال قائل إن الإكداء لا يكون مذموما لأن الإعطاء كان بغير حق ، فالامتناع لا يذم عليه ، وأيضا فلا يبقى لقوله
قَلِيلًا
فائدة ، لأن الإعطاء حينئذ نفسه يكون مذموما ، نقول فيه بيان خروجهم عن العقل والعرف / أما العقل فلأنه منع من الإعطاء لأجل حمل الوزر ، فإنه لا يحصل به ، وأما العرف فلأن عادة الكرام من العرب الوفاء بالعهد ، وهو لم يف به حيث التزم الإعطاء وامتنع ، والذي يليق بما ذكرنا هو أن نقول : تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، يعني إعطاء ما وجب إعطاؤه في مقابلة ما يجب لإصلاح أمور الآخرة ، ويقع في قوله تعالى :
أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ
في مقابلة قوله تعالى :
ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
[ النجم : 30 ] أي لم يعلم الغيب وما في الآخرة وقوله تعالى :
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
[ النجم : 36 - 38 ] في مقابلة قوله :
هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ
إلى قوله :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا
[ النجم : 30 ، 31 ] لأن الكلامين جميعا لبيان الجزاء ، ويمكن أن يقال : إن اللّه تعالى لما بين حال المشركين المعاندين العابدين للات والعزى والقائلين بأن الملائكة بنات اللّه شرع في بيان أهل الكتاب ، وقال بعد ما رأيت حال المشرك الذي تولى عن ذكرنا ، أفرأيت حال من تولى وله كتاب وأعطى قليلا من الزمان حقوق اللّه تعالى ، ولما بلغ زمان محمد أكدى فهل علم الغيب فقال شيئا لم يرد في كتبهم ولم ينزل عليهم في الصحف المتقدمة ، ووجد فيها بأن كل واحد يؤاخذ بفعله ويجازى بعمله ، وقوله تعالى :
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
يخبر أن المتولي المذكور من أهل الكتاب .
المسألة الخامسة :
أَكْدى
قيل هو من بلغ الكدية وهي الأرض الصلبة لا تحفر ، وحافر البئر إذا وصل إليها فامتنع عليه الحفر أو تعسر يقال : أكدى الحافر ، والأظهر أنه الرد والمنع يقال : أكديته أي رددته وقوله تعالى :
أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى
قد علم تفسيره جملة أن المراد جهل المتولي وحاجته وبيان قبح التولي مع الحاجة إلى الإقبال وعلم الغيب ، أي العلم بالغيب ، أي علم ما هو غائب عن الخلق وقوله :
فَهُوَ يَرى
تتمة بيان وقت جواز التولي وهو حصول الرؤية وهو الوقت الذي لا ينفع الإيمان فيه ، وهناك لا يبقى وجوب