وعلى هذا التقدير يضمر فيه : كان يكذب . وقوله تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 44 ]
يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 )
هو كقوله تعالى :
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ
[ الكهف : 29 ] وكقوله تعالى :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها
[ السجدة : 20 ] لأنهم يخرجون فيستغيثون فيظهر لهم من بعد شيء مائع هو صديدهم المغلي فيظنونه ماء ، فيردون عليه كما يرد العطشان فيقعون ويشربون منه شرب الهيم ، فيجدونه أشد حرا فيقطع أمعاءهم ، كما أن العطشان إذا وصل إلى ماء مالح لا يبحث عنه ولا يذوقه ، وإنما يشربه عبا فيحرق فؤاده ولا يسكن عطشه . وقوله :
حَمِيمٍ
إشارة إلى ما فعل فيه من الإغلاء ، وقوله تعالى :
آنٍ
إشارة إلى ما قبله ، وهو كما يقال : قطعته فانقطع فكأنه حمته النار فصار في غاية السخونة وآن الماء إذا انتهى في الحر نهاية . ثم قال تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 45 ]
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 45 )
وفيه بحث وهو أن هذه الأمور ليست من الآلاء فكيف قال :
فَبِأَيِّ آلاءِ
؟ نقول : الجواب من وجهين أحدهما : ما ذكرناه وثانيهما : أن المراد :
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما
مما أشرنا إليه في أول السورة .
تُكَذِّبانِ
فتستحقان هذه الأشياء المذكورة من العذاب ، وكذلك نقول : في قوله :
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ
[ الرحمن : 46 ] هي الجنان ثم إن تلك الآلاء لا ترى ، وهذا ظاهر لأن الجنان غير مرئية ، وإنما حصل الإيمان بها بالغيب ، فلا / يحسن الاستفهام بمعنى الإنكار مثل ما يحسن الاستفهام عن هيئة السماء والأرض والنجم والشجر والشمس والقمر وغيرها مما يدرك ويشاهد ، لكن النار والجنة ذكرتا للترهيب والترغيب كما بينا أن المراد فبأيهما تكذبان فتستحقان العذاب وتحرمان الثواب . ثم قال تعالى :
[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 46 إلى 47 ]
وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 47 )
وفيه لطائف : الأولى : التعريف في عذاب جهنم قال :
هذِهِ جَهَنَّمُ
[ الرحمن : 43 ] والتنكير في الثواب بالجنة إشارة إلى أن كثرة المراتب التي لا تحد ونعمه التي لا تعد ، وليعلم أن آخر العذاب جهنم وأول مراتب الثواب الجنة ثم بعدها مراتب وزيادات الثانية : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ
[ ق : 45 ] أن الخوف خشية سببها ذل الخاشي ، والخشية خوف سببه عظمة المخشى ، قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] لأنهم عرفوا عظمة اللّه فخافوه لا لذل منهم ، بل لعظمة جانب اللّه ، وكذلك قوله :
مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ
[ المؤمنون : 57 ] وقال تعالى :
لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
[ الحشر : 21 ] أي لو كان المنزل عليه العالم بالمنزل كالجبل العظيم في القوة والارتفاع لتصدع من خشية اللّه لعظمته ، وكذلك قوله تعالى :
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
[ الأحزاب : 37 ] وإنما قلنا : إن الخشية تدل على ما ذكرنا لأن الشيخ للسيد والرجل الكبير يدل على حصول معنى العظمة في خ ش ي ، وقال تعالى في الخوف :
وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها
[ طه : 21 ] لما كان الخوف يضعف