هو خالد في النار ومعذب فيها لأن المشابهة تنافي المخالفة ، وأما إذا لم يكن كذلك كما في هذا الموضع ، فإن قوله
سُقُوا ماءً
جملة غير مشابهة لقوله
هُوَ خالِدٌ
وقوله تعالى :
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً
بيان لمخالفتهم في سائر أحوال أهل الجنة فلهم أنهار من ماء غير آسن ، ولهم ماء حميم ، فإن قيل المشابهة الإنكارية بالمخالفة على ما ثبت ، وقد ذكرت البعض وقلت بأن قوله
عَلى بَيِّنَةٍ
في مقابلة
زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
و
مِنْ رَبِّهِ
في مقابلة قوله
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
والجنة في مقابلة النار في قوله
خالِدٌ فِي النَّارِ
والماء الحميم في مقابلة الأنهار ، فأين ما يقابل قوله
وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ
فنقول تقطع الأمعاء في مقابلة مغفرة لأنا بينا على أحد الوجوه أن المغفرة التي في الجنة هي تعرية « 1 » أكل الثمرات عما يلزمه من قضاء الحاجة والأمراض وغيرها ، كأنه قال : للمؤمن أكل وشرب مطهر طاهر لا يجتمع في جوفهم فيؤذيهم ويحوجهم إلى قضاء حاجة ، وللكافر ماء حميم في أول ما يصل إلى جوفهم يقطع أمعاءهم ويشتهون خروجه من جوفهم ، وأما الثمار فلم يذكر مقابلها ، لأن في الجنة زيادة مذكورة فحققها بذكر أمر زائد .
المسألة الرابعة : الماء الحار يقطع أمعاءهم لأمر آخر غير الحرارة ، وهي الحدة التي تكون في السموم المدوفة « 2 » ، وإلا فمجرد الحرارة لا يقطع ، فإن قيل قوله تعالى :
فَقَطَّعَ
بالفاء يقتضي أن يكون القطع بما ذكر ، نقول نعم ، لكنه لا يقتضي أن يقال : يقطع ، لأنه ماء حميم فحسب ، بل ماء حميم مخصوص يقطع . ثم قال تعالى :
[ سورة محمد ( 47 ) : آية 16 ]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 16 )
لما بيّن اللّه تعالى حال الكافر ذكر حال المنافق بأنه من الكفار ، وقوله
وَمِنْهُمْ
يحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الناس ، كما قال تعالى في سورة البقرة
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ
[ البقرة : 8 ] بعد ذكر الكفار ، ويحتمل أن يكون راجعا إلى أهل مكة ، لأن ذكرهم سبق في قوله تعالى :
هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ
[ محمد : 13 ] ويحتمل أن يكون راجعا إلى معنى قوله
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ / وَسُقُوا ماءً حَمِيماً
[ محمد : 15 ] يعني ومن الخالدين في النار قوم يستمعون إليك ، وقوله
حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ
على ما ذكرنا حمل على المعنى الذي هو الجمع ، ويستمع حمل على اللفظ ، وقد سبق التحقيق فيه ، وقوله
حَتَّى
للعطف في قول المفسرين ، وعلى هذا فالعطف بحتى لا يحسن إلا إذا كان المعطوف جزءا من المعطوف عليه إما أعلاه أو دونه ، كقول القائل : أكرمني الناس حتى الملك ، وجاء الحاج حتى المشاة ، وفي الجملة ينبغي أن يكون المعطوف عليه من حيث المعنى ، ولا يشترط في العطف بالواو ذلك ، فيجوز أن تقول في الواو : جاء الحاج وما علمت ، ولا يجوز مثل ذلك في حتى ، إذا علمت هذا فوجه التعلق هاهنا هو أن قوله
حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ
يفيد معنى زائدا في الاستماع كأنه يقول : يستمعون استماعا بالغا جيدا ، لأنهم يستمعون وإذا خرجوا يستعيدون من العلماء كما يفعله المجتهد في التعلم الطالب للتفهم ، فإن قلت فعلى هذا
هامش
( 1 ) في المطبوع الأميري ( تعربة ) بالباء الموحدة .
( 2 ) فيه أيضا ( المدونة ) بالنون وكلاهما تصحيف ومعنى المدوفة المعدة للشرب .