الحال والاستقبال إشارة إلى أنهم ليسوا بثابتين على ضلال واحد وما هوت أنفسهم في الماضي شيئا من أنواع العبادة فالتزموا به وداموا عليه بل كل يوم هم يستخرجون عبادة ، وإذا انكسرت أصنامهم اليوم أتوا بغيرها غدا ويغيرون وضع عبادتهم بمقتضى شهوتهم اليوم ثانيهما : أنها خبرية تقديره ، والذي تشتهيه أنفسهم والفرق بين المصدرية والخبرية أن المتبع على الأول الهوى وعلى الثاني مقتضى الهوى كما إذا قلت أعجبني مصنوعك .
المسألة الرابعة : كيف قال :
وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ
بلفظ الجمع مع أنهم لا يتبعون ما تهواه كل نفس فإن من النفوس ما لا تهوى ما تهواه غيرها ؟ نقول هو من باب مقابلة الجمع بالجمع معناه اتبع كل واحد منهم ما تهواه نفسه يقال خرج الناس بأهليهم أي كل واحد بأهله لا كل واحد بأهل الجمع .
المسألة الخامسة : بيّن لنا معنى الكلام جملة ، نقول قوله تعالى :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ
أمران مذكوران يحتمل أن يكون ذكرهما لأمرين تقدير بين يتبعون الظن في الاعتقاد ويتبعون ما تهوى الأنفس في العمل والعبادة وكلاهما فاسد ، لأن الاعتقاد ينبغي أن يكون مبناه على اليقين ، وكيف يجوز اتباع الظن في الأمر العظيم ، وكلما كان الأمر أشرف وأخطر كان الاحتياط فيه أوجب وأحذر ، وأما العمل فالعبادة مخالفة الهوى فكيف تنبئ على متابعته ، ويحتمل أن يكون في أمر واحد على طريقة النزول درجة درجة فقال :
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ
أي وما دون الظن لأن القرونة تهوى ما لا يظن به خير وقوله تعالى :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى
إشارة / إلى أنهم على حال لا يعتد به لأن اليقين مقدور عليه وتحقق بمجيء الرسل والهدى فيه وجوه ثلاثة الأولى : القرآن الثاني : الرسل الثالث : المعجزات . ثم قال تعالى :
[ سورة النجم ( 53 ) : آية 24 ]
أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ( 24 )
المشهور أن أم منقطعة معناه : أللإنسان ما اختاره واشتهاه ؟ وفي
ما تَمَنَّى
وجوه الأولى : الشفاعة تمنوها وليس لهم شفاعة الثاني : قولهم
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] الثالث :
قول الوليد بن المغيرة
لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً
[ مريم : 77 ] الرابع : تمنى جماعة أن يكونوا أنبياء ولم تحصل لهم تلك الدرجة الرفيعة ، فإن قلت هل يمكن أن تكون أم هاهنا متصلة ؟ نقول نعم والجملة الأولى حينئذ تحتمل وجهين أحدهما : أنها مذكورة في قوله تعالى :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
[ النجم : 21 ] كأنه قال ألكم الذكر وله الأنثى على الحقيقة أو تجعلون لأنفسكم ما تشتهون وتتمنون وعلى هذا فقوله تلك
إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
[ النجم : 22 ] وغيرها جمل اعترضت بين كلامين متصلين ثانيهما : أنها محذوفة وتقرير ذلك هو أنا بينا أن قوله
أَ فَرَأَيْتُمُ
[ النجم : 19 ] لبيان فساد قولهم ، والإشارة إلى ظهور ذلك من غير دليل ، كما إذا قال قائل فلان يصلح للملك فيقول آخر لثالث ، أما رأيت هذا الذي يقوله فلان ولا يذكر أنه لا يصلح للملك ، ويكون مراده ذلك فيذكره وحده منبها على عدم صلاحه ، فههنا قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى
أي يستحقان العبادة أم للإنسان أن يعبد ما يشتهيه طبعه وإن لم يكن يستحق العبادة ، وعلى هذا فقوله أم للإنسان أي هل له أن يعبد بالتمني والاشتهاء ، ويؤيد هذا قوله تعالى :
وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ
أي عبدتم بهوى أنفسكم ما لا يستحق العبادة فهل لكم ذلك . ثم قال تعالى :
[ سورة النجم ( 53 ) : آية 25 ]
فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ( 25 )