تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله
وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي
لا إلى المشار إليه بقوله
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
هذا ما ذكره الكلبي في دفع ذلك الدليل ، وهو حسن والوجه الثاني : في إبطال ذلك القول ، ما روي أن مروان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ذلك فغضبت وقالت : واللّه ما هو به ، ولكن اللّه لعن أباك وأنت في صلبه الوجه الثالث : وهو الأقوى ، أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه في الآية المتقدمة ، ووصف الولد العاق لأبويه في هذه الآية ، وذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ في العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه إلى الدين الحق ، وهو الإقرار بالبعث والقيامة أصر على الإنكار وأبى واستكبر ، وعول في ذلك الإنكار على شبهات خسيسة وكلمات واهية ، وإذا كان كذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات المذكورة ولا حاجة البتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين ، قال صاحب « الكشاف » : قرئ
أُفٍّ
بالفتح والكسر بغير تنوين ، وبالحركات الثلاث مع التنوين ، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر ، كما إذا قال حس ، علم أنه متوجع ، واللام للبيان معناه هذا / التأفيف لكما خاصة ، ولأجلكما دون غيركما ، وقرئ
أَ تَعِدانِنِي
بنونين ، وأتعداني بأحدهما وأتعداني بالإدغام ، وقرأ بعضهم : أتعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرين والياء ، ففتح الأولى تحريا للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح أحدهما . ثم قال :
أَنْ أُخْرَجَ
أي أن أبعث وأخرج من الأرض ، وقرئ
أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي
يعني ولم يبعث منهم أحد . ثم قال :
وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ
أي الوالدان يستغيثان اللّه ، فإن قالوا : كان الواجب أن يقال يستغيثان باللّه ؟ قلنا الجواب : من وجهين الأول : أن المعنى أنهما يستغيثان اللّه من كفره وإنكاره ، فلما حذف الجار وصل الفعل الثاني : يجوز أن يقال الباء حذف ، لأنه أريد بالاستغاثة هاهنا الدعاء على ما قاله المفسرون يدعوان اللّه فلما أريد بالاستغاثة الدعاء حذف الجار ، لأن الدعاء لا يقتضيه ، وقوله
وَيْلَكَ
أي يقولان له ويلك
آمِنْ
وصدق بالبعث وهو دعاء عليه بالثبور ، والمراد به الحث ، والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك . ثم قال :
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
بالبعث
حَقٌّ فَيَقُولُ
لهما
ما هذا
الذي تقولان من أمر البعث وتدعوانني إليه
إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
. ثم قال تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ
أي حقت عليهم كلمة العذاب ، ثم هاهنا قولان : فالذين يقولون المراد بنزول الآية عبد الرحمن بن أبي بكر ، قالوا المراد بهؤلاء الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم القرون الذين خلوا من قبله ، والذين قالوا المراد به ليس عبد الرحمن ، بل كل ولد كان موصوفا بالصفة المذكورة ، قالوا هذا الوعيد مختص بهم ، وقوله
فِي أُمَمٍ
نظير لقوله
فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ
وقد ذكرنا أنه نظير لقوله : أكرمني الأمير في أناس من أصحابه ، يريد أكرمني في جملة من أكرم منهم . ثم قال :
إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ
وقرئ أن بالفتح على معنى آمن بأن وعد اللّه حق . ثم قال :
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
وفيه قولان الأول : أن اللّه تعالى ذكر الولد البار ، ثم أردفه بذكر الولد العاق ، فقوله
وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
خاص بالمؤمنين ، وذلك لأن المؤمن البار بوالديه له درجات متفاوتة ، ومراتب مختلفة في هذا الباب والقول الثاني : أن قوله
لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا
عائد إلى الفريقين ،