ليس كذلك بل هم كانوا شيئا من تلك الأشياء خلقوا منه خلقا ، فما خلقوا من غير شيء حتى ينكروا الوحدانية ولهذا قال تعالى :
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
[ الزمر : 6 ] ولهذا أكثر اللَّه من قوله
خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ
[ الإنسان : 2 ] وقوله
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
[ المرسلات : 20 ] يتناول الأمرين المذكورين في هذا الموضع لأن قوله
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ
يحتمل أن يكون نفي المجموع بنفي الخلق فيكون كأنه قال : أخلقتم لا من ماء ، وعلى قول من قال المراد منه أم خلقوا من غير شيء ، أي من غير خالق ففيه ترتيب حسن أيضا وذلك لأن نفي الصانع ، إما أن يكون بنفي كون العالم مخلوقا فلا يكون ممكنا ، وإما أن يكون ممكنا لكن الممكن لا يكون محتاجا فيقع الممكن من غير مؤثر وكلاهما محال . وأما قوله تعالى :
أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
فمعناه أهم الخالقون للخلق فيعجز الخالق بكثرة العمل ، فإن دأب الإنسان أنه يعيا بالخلق ، فما قولهم أما خلقوا فلا يثبت لهم إله البتة ، أم خلقوا وخفي عليهم وجه الخلق أم جعلوا الخالق مثلهم فنسبوا إليه العجز ، ومثل قوله تعالى :
أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ
[ ق : 15 ] هذا بالنسبة إلى الحشر وأما بالنسبة إلى التوحيد فهو رد عليهم حيث قالوا الأمور مختلفة واختلاف الآثار يدل على اختلاف المؤثرات وقالوا
أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
[ ص : 5 ] فقال تعالى :
أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ
حيث لا يقدر / الخباز على الخياطة والخياط على البناء وكل واحد يشغله شأن عن شأن . ثم قال تعالى :
[ سورة الطور ( 52 ) : آية 36 ]
أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 )
وفيه وجوه : أحدها : ما اختاره الزمخشري وهو أنهم لا يوقنون بأنهم خلقوا وهو حينئذ في معنى قوله تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ *
[ لقمان : 25 ] أي هم معترفون بأنه خلق اللَّه وليس خلق أنفسهم وثانيها : المراد بل لا يوقنون بأن اللَّه واحد وتقديره ليس الأمر كذلك أي ما خلقوا وإنما لا يوقنون بوحدة اللَّه وثالثها : لا يوقنون أصلا من غير ذكر مفعول يقال فلان ليس بمؤمن وفلان ليس بكافر لبيان مذهبه وإن لم ينو مفعولا ، وكذلك قول القائل فلان يؤذي ويؤدي لبيان ما فيه لا مع القصد إلى ذكر مفعول ، وحينئذ يكون تقديره أنهم ما خلقوا السماوات والأرض ولا يوقنون بهذه الدلائل ، بل لا يوقنون أصلا وإن جئتهم بكل آية ، يدل عليه قوله تعالى بعد ذلك
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ
[ الطور : 44 ] وهذه الآية إشارة إلى دليل الآفاق ، وقوله من قبل
أَمْ خُلِقُوا
[ الطور : 35 ] دليل الأنفس . ثم قال تعالى :
[ سورة الطور ( 52 ) : آية 37 ]
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ( 37 )
وفيه وجوه أحدها : المراد من الخزائن خزائن الرحمة ثانيها : خزائن الغيب ثالثها : أنه إشارة إلى الأسرار الإلهية المخفية عن الأعيان رابعها : خزائن المخلوقات التي لم يرها الإنسان ولم يسمع بها ، وهذه الوجوه الأول والثاني منقول ، والثالث والرابع مستنبط ، وقوله تعالى :
أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ
تتمة للرد عليهم ، وذلك لأنه لما قال :
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ
إشارة إلى أنهم ليسوا بخزنة [ رحمة ] اللَّه فيعلموا خزائن اللَّه ، وليس بمجرد انتفاء كونهم خزنة ينتفي العلم لجواز أن يكون مشرفا على الخزانة ، فإن العلم بالخزائن عند الخازن والكاتب في الخزانة ، فقال لستم بخزنة ولا بكتبة الخزانة المسلطين عليها ، ولا يبعد تفسير المسيطرين بكتبة الخزانة ، لأن التركيب يدل على السطر وهو يستعمل في الكتاب ، وقيل المسيطر المسلط وقرئ بالصاد ، وكذلك في كثير من