تعالى :
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
[ الكهف : 24 ] وقوله
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ
[ الشرح : 7 ، 8 ] وقرئ
وَأَدْبارَ السُّجُودِ
.
البحث الثالث : الفاء في قوله تعالى :
فَسَبِّحْهُ
ما وجهها ؟ نقول هي تفيد تأكيد الأمر بالتسبيح من الليل ، وذلك لأنه يتضمن الشرط كأنه يقول : وأما من الليل فسبحه ، وذلك لأن الشرط يفيد أن عند وجوده يجب وجود الجزاء ، وكأنه تعالى يقول النهار محل الاشتغال وكثرة الشواغل ، فأما الليل فمحل السكون والانقطاع فهو وقت التسبيح ، أو نقول بالعكس الليل محل النوم والثبات والغفلة ، فقال أما الليل فلا تجعله للغفلة بل اذكر فيه ربك ونزهه .
البحث الرابع : ( من ) في قوله
وَمِنَ اللَّيْلِ
يحتمل وجهين أحدهما : أن يكون لابتداء الغاية أي من أول الليل فسبحه ، وعلى هذا فلم يذكر له غاية لاختلاف ذلك بغلبة النوم وعدمها ، يقال أنا من الليل أنتظرك ثانيهما :
أن يكون للتبعيض أي اصرف من الليل طرفا إلى التسبيح يقال : من مالك منع ومن الليل انتبه ، أي بعضه .
البحث الخامس : قوله
وَأَدْبارَ السُّجُودِ
عطف على ما ذا ؟ نقول يحتمل أن يكون عطفا على ما قبل الغروب كأنه تعالى قال : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب وأدبار السجود ) وذكر بينهما قوله
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ
وعلى هذا ففيه ما ذكرنا من الفائدة وهي الأمر بالمداومة ، كأنه قال : سبح قبل طلوع الشمس ، وإذا جاء وقت الفراغ من السجود قبل الطلوع فسبح وسبح قبل الغروب ، وبعد الفراغ من السجود قبل الغروب سبحه فيكون ذلك إشارة إلى صرف الليل إلى التسبيح ، ويحتمل أن يكون عطفا على
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ
وعلى هذا يكون عطفا على الجار والمجرور جميعا ، تقديره وبعض الليل ( فسبحه وأدبار السجود ) . ثم قال تعالى :
[ سورة ق ( 50 ) : آية 41 ]
وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 41 )
هذا إشارة إلى بيان غاية التسبيح ، يعني اشتغل بتنزيه اللّه وانتظر المنادي كقوله تعالى :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ
[ الحجر : 99 ] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ما الذي يستمعه ؟ قلنا يحتمل وجوها ثلاثة أحدها : أن يترك مفعوله رأسا ويكون المقصود كن مستمعا ولا تكن مثل هؤلاء المعرضين الغافلين ، يقال هو رجل سميع مطيع ولا يراد مسموع بعينه كما يقال فلان وكأس ، وفلان يعطي ويمنع ثانيها : استمع لما يوحى إليك ثالثها : استمع نداء المنادي .
المسألة الثانية :
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ
منصوب بأي فعل ؟ نقول هو مبني على المسألة الأولى ، إن قلنا استمع لا مفعول له فعامله ما يدل عليه قوله تعالى :
يَوْمُ الْخُرُوجِ
[ ق : 42 ] تقديره : يخرجون يوم ينادي المنادي ، وإن قلنا مفعوله لما يوحى فتقديره ( واستمع ) لما يوحى ( يوم ينادي ) ويحتمل ما ذكرنا وجها آخر ، وهو ما يوحى أي ما يوحى
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ
اسمعه ، فإن قيل استمع عطف على فاصبر وسبح وهو في الدنيا ، والاستماع يكون في الدنيا ، وما يوحى
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ
لا يستمع في الدنيا ، نقول ليس بلازم ذلك لجواز أن يقال صل وادخل الجنة أي صل في الدنيا وادخل الجنة في العقبى ، فكذلك هاهنا ، ويحتمل أن يقال بأن استمع بمعنى انتظر فيحتمل الجمع في الدنيا ، وإن قلنا استمع الصيحة وهو نداء المنادي : يا عظام انتشري ، والسؤال الذي ذكره علم الجواب منه ، وجواب آخر نقوله حينئذ وهو أن اللّه تعالى قال :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ