الجلال والهيبة فلا يزول البتة عن العبد ، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النحل : 50 ] وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى :
لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
[ الأنبياء : 103 ] .
ثم قال تعالى :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
قالت المعتزلة : هذه الآية تدل على مسائل أولها : قوله تعالى :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ
وهذا يفيد الحصر ، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة وثانيها : قوله تعالى :
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
وهذا يدل على فساد قول من يقول : الثواب فضل لا جزاء وثالثها : أن قوله تعالى :
بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
يدل على إثبات العمل للعبد ورابعها : أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر ، أو أي أثر كان موجودا قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر وخامسها : كون العبد / مستحقا على اللّه تعالى ، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين ، لا جرم أردفه بهذا المعنى ، فقال تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت ، وفي سورة لقمان ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي
بِوالِدَيْهِ إِحْساناً
والباقون حسنا .
واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح ، فمن قرأ
إِحْساناً
فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
[ الإسراء : 43 ] والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحساناً ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً
[ العنكبوت : 8 ] ولم يختلفوا فيه ، والمراد أيضا أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلا حسنا ، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة ، كما يقال : هذا الرجل علم وكرم ، وانتصب حسنا على المصدر ، لأن معنى
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ
أمرناه أن يحسن إليهما إحسانا .
ثم قال تعالى :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي كرها بضم الكاف ، والباقون بفتحها ، قيل هما لغتان : مثل الضعف والضعف ، والفقر والفقر ، ومن غير المصادر : الدف والدف ، والشهد والشهد ، قال الواحدي : الكره مصدر من كرهت الشيء أكرهه ، والكره الاسم كأنه الشيء المكروه قال تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ
[ البقرة : 216 ] فهذا بالضم ، وقال :
أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً
[ النساء : 19 ] فهذا في موضع الحال ، ولم يقرأ الثانية بغير الفتح ، فما كان مصدرا أو في موضع الحال فالفتح فيه أحسن ، وما كان اسما نحو ذهبت به على كره كان الضم فيه أحسن .
المسألة الثانية : قال المفسرون . حملته أمه على مشقة ووضعته في مشقة ، وليس يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، وقد قال تعالى :
فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً
[ الأعراف : 189 ] يريد ابتداء الحمل ، فإن ذلك لا يكون مشقة ، فالحمل نطفة وعلقة ومضغة ، فإذا أثقلت فحينئذ حملته
كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
يريد شدة الطلق .