ذلك التصرف ولم يحتج إلى آلة وأداة ، فعبّر عن نفاذ قدرته في الكائنات والمحدثات من غير معارض ولا مدافع بما إذا قال :
كُنْ فَيَكُونُ
الوجه الثاني : أنه عبّر عن الإحياء والإماتة بقول
كُنْ فَيَكُونُ
فكأنه قيل الانتقال من كونه ترابا إلى كونه نطفة ، ثم إلى كونه علقة انتقالات تحصل على التدريج قليلا قليلا ، وأما صيرورة الحياة فهي إنما تحصل لتعليق جوهر الروح النطقية به ، وذلك يحدث دفعة واحدة ، فلهذا السبب وقع التعبير عنه بقوله
كُنْ فَيَكُونُ
الوجه الثالث : أن من الناس من يقول إن تكون الإنسان إنما ينعقد من المني والدم في الرحم في مدة معينة وبحسب انتقالاته من حالات إلى حالات ، فكأنه قيل إنه يمتنع أن يكون كل إنسان عن إنسان آخر ، لأن التسلسل محال ، ووقوع الحادث في الأزل محال ، فلا بد من الاعتراف بإنسان هو أول الناس ، فحينئذ يكون حدوث ذلك الإنسان لا بواسطة المني والدم ، بل بإيجاد اللّه تعالى ابتداء ، فعبّر اللّه تعالى عن هذا المعنى بقوله
كُنْ فَيَكُونُ
.
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 69 إلى 76 ]
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ( 69 ) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 70 ) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ( 72 ) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 73 )
مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ ( 74 ) ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ( 75 ) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ( 76 )
اعلم أنه تعالى عاد إلى ذم الذين يجادلون في آيات اللّه فقال :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ
وهذا ذم لهم على أن جادلوا في آيات اللّه ودفعها والتكذيب بها ، فعجب تعالى منهم بقوله
أَنَّى يُصْرَفُونَ
كما يقول الرجل لمن لا يبين : أنى يذهب بك تعجبا من غفلته ، ثم بيّن أنهم هم
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ
أي بالقرآن
وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا
من سائر الكتب ، فإن قيل سوف للاستقبال ، وإذ للماضي فقوله
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ، إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
مثل قولك : سوف أصوم أمس ، قلنا المراد من قوله إذ هو إذا ، لأن الأمور المستقبلة لما كانت في أخبار اللّه تعالى متيقنة مقطوعا بها عبر عنها بلفظ ما كان ووجد ، والمعنى على الاستقبال ، هذا لفظ صاحب « الكشاف » :
ثم إنه تعالى وصف كيفية عقابهم فقال :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ، فِي الْحَمِيمِ
والمعنى : أنه يكون في أعناقهم الأغلال والسلاسل ، ثم يسحبون بتلك السلاسل في الحميم ، أي في الماء المسخن بنار جهنم
ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ
والسجر في اللغة الإيقاد في التنور ، ومعناه أنهم في النار فهي محيطة بهم ، ويقرب منه قوله تعالى :
نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ
[ الهمزة : 6 ، 7 ]
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
فيقولون
ضَلُّوا عَنَّا
أي غابوا عن عيوننا فلا نراهم ولا نستشفع بهم ، ثم