تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
لم يقدر عليه لما حصل المدح بترك / الظلم ، وهذا الاستدلال قد ذكرناه مرارا في هذا الكتاب مع الجواب ، فلا فائدة في الإعادة . النوع الثالث : من كلمات هذا المؤمن قوله
وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ
وفيه مسائل : المسألة الأولى : التنادي تفاعل من النداء ، يقال تنادى القوم ، أي نادى بعضهم بعضا ، والأصل الياء وحذف الياء حسن في الفواصل ، وذكرنا ذلك في
يَوْمَ التَّلاقِ
[ غافر : 15 ] وأجمع المفسرون على أن
يَوْمَ التَّنادِ
يوم القيامة ، وفي سبب تسمية ذلك اليوم بذلك الاسم وجوه الأول : أن أهل النار ينادون أهل الجنة ، وأهل الجنة ينادون أهل النار ، كما ذكر اللّه عنهم في سورة الأعراف
وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ
[ الأعراف : 50 ] ،
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ
[ الأعراف : 44 ] الثاني : قال الزجاج : لا يبعد أن يكون السبب فيه قوله تعالى :
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
[ الإسراء : 71 ] ، الثالث : أنه ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور فيقولون
يا وَيْلَنا *
، [ الأنبياء : 14 ] ، الرابع : ينادون إلى المحشر ، أي يدعون الخامس : ينادي المؤمن
هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ
[ الحاقة : 19 ] والكافر
يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ
[ الحاقة : 25 ] ، السادس : ينادى باللعنة على الظالمين السابع : يجاء بالموت على صورة كبش أملح ، ثم يذبح وينادى يا أهل القيامة لا موت ، فيزداد أهل الجنة فرحا على فرحهم ، وأهل النار حزنا على حزنهم الثامن : قال أبو علي الفارسي : التنادي مشتق من التناد ، من قولهم ند فلان إذا هرب ، وهو قراءة ابن عباس وفسرها ، فقال يندون كما تند الإبل ، ويدل على صحة هذه القراءة قوله تعالى :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
[ عبس : 34 ] الآية . وقوله تعالى بعد هذه الآية
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ
لأنهم إذا سمعوا زفير النار يندون هاربين ، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا ، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه . المسألة الثانية : انتصب قوله
يَوْمَ التَّنادِ
لوجهين أحدهما : الظرف للخوف ، كأنه خاف عليهم في ذلك اليوم ، لما يلحقهم من العذاب إن لم يؤمنوا والآخر أن يكون التقدير إني أخاف عليكم - عذاب - يوم التناد وإذا كان كذلك كان انتصاب يوم انتصاب المفعول به ، لا انتصاب الظرف ، لأن إعرابه إعراب المضاف المحذوف ، ثم قال :
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ
وهو بدل من قوله
يَوْمَ التَّنادِ
عن قتادة : منصرفين عن موقف يوم الحساب إلى النار ، وعن مجاهد : فارين عن النار غير معجزين ، ثم أكد التهديد فقال :
ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ
ثم نبه على قوة ضلالتهم وشدة جهالتهم فقال :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
.

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 34 إلى 35 ]

وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ( 34 ) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال :
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ
[ غافر : 33 ] ذكر لهذا مثلا ، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة ، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل ، وهذا يدل على أن من أضله اللّه فما له من هاد وفي الآية مسائل :