تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥
المراد العلم والحكمة ، ويجوز أن يكون المراد العلم بفصل الحكومات ، ويجوز أن يكون المراد معرفة أحكام اللّه تعالى وهو علم الفقه ، وأما النبوة فمعلومة ، وأما نعم الدنيا فهي المراد من قوله تعالى :
وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
وذلك لأنه تعالى وسع عليهم في الدنيا ، فأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم ثم أنزل عليهم المن والسلوى ، ولما بيّن تعالى أنه أعطاهم من نعم الدين ونعم الدنيا نصيبا وافرا ، قال :
وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
يعني أنهم كانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن سواهم في وقتهم ، فلهذا المعنى قال المفسرون المراد : وفضلناهم عن عالمي زمانهم . ثم قال تعالى :
وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ
وفيه وجوه الأول : أنه آتاهم بينات من الأمر ، أي أدلة على أمور الدنيا الثاني : قال ابن عباس : يعني بيّن لهم من أمر النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب ، ويكون أنصاره أهل يثرب الثالث : المراد
وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ
أي معجزات قاهرة على صحة نبوتهم ، والمراد معجزات موسى عليه السلام . ثم قال تعالى :
فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
وهذا مفسر في سورة
حم * عسق
[ الشورى : 1 ، 2 ] والمقصود من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة ، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف ، وهاهنا صار مجيء العلم سببا لحصول الاختلاف ، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم ، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم ، ثم هاهنا احتمالات يريد أنهم علموا ثم عاندوا ، ويجوز أن يريد بالعلم الدلالة التي توصل إلى العلم ، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ، لكنهم على وجه الحسد والعناد اختلفوا وأظهروا النزاع . ثم قال تعالى :
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
والمراد أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا ، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها ، فإنه سيرى في الآخرة ما يسوؤه ، وذلك كالزجر لهم ، ولما بيّن تعالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغي والحسد ، أمر رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بأن يعدل عن تلك الطريقة ، وأن يتمسك بالحق ، وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق وتقرير الصدق ، فقال تعالى :
ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ
أي على طريقة ومنهاج من أمر الدين ، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والبينات ، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال وأديانهم المبنية على الأهواء والجهل ، قال الكلبي : إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلّم وهو بمكة : ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية . ثم قال تعالى :
إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة فصرت مستحقا للعذاب ، فهم لا يقدرون على دفع عذاب اللّه عنك ، ثم بيّن تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضا / في الدنيا وفي الآخرة ، لا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب ، وأما المتقون المهتدون ، فاللّه وليهم وناصرهم وهم موالوه ، وما أبين الفرق بين الولايتين ، ولما بيّن اللّه تعالى هذه البيانات الباقية النافعة ، قال :
هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
وقد فسرناه في آخر سورة الأعراف ، والمعنى هذا القرآن بصائر للناس جعل ما فيه من البينات الشافية ، والبينات الكافية بمنزلة البصائر في القلوب ، كما جعل في سائر الآيات روحا وحياة ، وهو هدى من الضلالة ، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن ، ولما بيّن اللّه تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه الذي تقدم ، بيّن الفرق بينهما من وجه آخر ،
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 675 | فخر الدين الرازي