تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
شرط واحد مركب من قيود : القيد الأول : هو مجيئهم إلى الجنة والقيد الثاني : قوله تعالى :
وَفُتِحَتْ أَبْوابُها
فإن قيل قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو ، وقال هاهنا بالواو فما الفرق ؟ قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها ، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدما على وصولهم إليها بدليل قوله
جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ
[ ص : 50 ] فلذلك جيء بالواو كأنه قيل : حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها . القيد الثالث : قوله
وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ
فبين تعالى أن خزنة الجنة يذكرون لأهل الثواب هذه الكلمات الثلاث فأولها : قولهم
سَلامٌ عَلَيْكُمْ
وهذا يدل على أنهم يبشرونهم بالسلامة من كل الآفات / وثانيها : قولهم
طِبْتُمْ
والمعنى طبتم من دنس المعاصي وطهرتم من خبث الخطايا وثالثها : قولهم
فَادْخُلُوها خالِدِينَ
والفاء في قوله
فَادْخُلُوها
يدل على كون ذلك الدخول معللا بالطيب والطهارة ، قالت المعتزلة هذا يدل على أن أحدا لا يدخلها إلا إذا كان طاهرا عن كل المعاصي ، قلنا هذا ضعيف لأنه تعالى يبدل سيئاتهم حسنات ، وحينئذ يصيرون طيبين طاهرين بفضل اللّه تعالى ، فإن قيل فهذا الذي تقدم ذكره هو الشرط فأين الجواب ؟ قلنا فيه وجهان الأول : أن الجواب محذوف والمقصود من الحذف أن يدل على أنه بلغ في الكمال إلى حيث لا يمكن ذكره الثاني : أن الجواب هو قوله تعالى :
وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ
والواو محذوف ، والصحيح هو الأول ، ثم أخبر اللّه تعالى بأن الملائكة إذا خاطبوا المتقين بهذه الكلمات ، قال المتقون عند ذلك
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ
في قوله
أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
[ فصلت : 30 ]
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ
والمراد بالأرض أرض الجنة ، وإنما عبر عنه بالإرث لوجوه الأول : أن الجنة كانت في أول الأمر لآدم عليه السلام ، لأنه تعالى قال :
وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما
[ البقرة : 35 ] فلما عادت الجنة إلى أولاد آدم كان ذلك سببا لتسميتها بالإرث الثاني : أن هذا اللفظ مأخوذ من قول القائل : هذا أورث كذا وهذا العمل أورث كذا فلما كانت طاعتهم قد أفادتهم الجنة ، لا جرم قالوا
وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ
والمعنى أن اللّه تعالى أورثنا الجنة بأن وفقنا للإتيان بأعمال أورثت الجنة الثالث : أن الوارث يتصرف فيما يرثه كما يشاء من غير منازع ولا مدافع فكذلك المؤمنون المتقون يتصرفون في الجنة كيف شاءوا وأرادوا ، والمشابهة علة حسن المجاز فإن قيل ما معنى قوله
حَيْثُ نَشاءُ
وهل يتبوأ أحدهم مكان غيره ؟ قلنا يكون لكل أحد جنة لا يحتاج معها إلى جنة غيره ، قال حكماء الإسلام : الجنات نوعان ، الجنات الجسمانية والجنات الروحانية فالجنات الجسمانية لا تحتمل المشاركة فيها ، أما الروحانيات فحصولها لواحد لا يمنع من حصولها للآخرين ، ولما بيّن اللّه تعالى صفة أهل الجنة قال :
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
قال مقاتل ليس هذا من كلام أهل الجنة ، بل من كلام اللّه تعالى لأنه لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة قال بعده
فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
ولما قال تعالى :
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
ذكر عقيبه ثواب الملائكة فقال كما أن دار ثواب المتقين المؤمنين هي الجنة ، فكذلك دار ثواب الملائكة جوانب العرش وأطرافه ، فلهذا قال :
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
أي محفين بالعرش . قال الليث : يقال حف القوم بسيدهم يحفون حفاً إذا طافوا به . إذا عرفت هذا ، فنقول بيّن تعالى أن دار ثوابهم هو جوانب العرش وأطرافه ثم قال :
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
وهذا مشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التحميد والتسبيح ، وحينئذ رجع حاصل الكلام إلى أن أعظم
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 480 | فخر الدين الرازي