الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] ثم قال :
أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
يجوز أن يكون المراد مقرنين به ، من قولك قرنته به فاقترن وأن يكون من قولهم اقترنوا بمعنى تقارنوا ، قال الزجاج معناه يمشون معه فيدلون على صحة نبوته .
ثم قال تعالى :
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ
أي طلب منهم الخفة في الإتيان بما كان يأمرهم به فأطاعوه
إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
حيث أطاعوا ذلك الجاهل الفاسق
فَلَمَّا آسَفُونا
أغضبونا ، حكي أن ابن جريج غضب في شيء فقيل له أتغضب يا أبا خالد ؟ فقال قد غضب الذي خلق الأحلام إن اللّه يقول
فَلَمَّا آسَفُونا
أي أغضبونا .
ثم قال تعالى :
انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
واعلم أن ذكر لفظ الأسف في حق اللّه تعالى محال وذكر لفظ الانتقام وكل واحد منهما من المتشابهات التي يجب أن يصار فيها إلى التأويل ، ومعنى الغضب في حق اللّه إرادة العقاب ، ومعنى الانتقام إرادة العقاب لجرم سابق .
ثم قال تعالى :
فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا
السلف كل شيء قدمته من عمل صالح أو قرض فهو سلف والسلف أيضا من تقدم من آبائك وأقاربك واحدهم سالف ، ومنه قول طفيل يرثي قومه :
مضوا سلفا قصد السبيل عليهم * وصرف المنايا بالرجال تقلب
فعلى هذا قال الفراء والزجاج يقول : جعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون ، أي جعلناهم سلفا لكفار أمة محمد عليه السلام . وأكثر القراء قرءوا بالفتح وهو جمع سالف كما ذكرناه ، وقرأ حمزة والكسائي
سَلَفاً
بالضم وهو جمع سلف ، قال الليث : يقال سلف بضم اللام يسلف سلوفا فهو سلف أي متقدم ، وقوله
وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ
يريد عظة لمن بقي بعدهم وآية وعبرة ، قال أبو علي الفارسي المثل واحد يراد به الجمع ، ومن ثم عطف على سلف ، والدليل على وقوعه على أكثر من واحد قوله تعالى :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ
[ النحل : 75 ] فأدخل تحت المثل شيئين واللّه أعلم .
[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 57 إلى 62 ]
وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 59 ) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 )
وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 )
في الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى ذكر أنواعا كثيرة من كفرياتهم في هذه السورة وأجاب عنها بالوجوه الكثيرة فأولها : قوله تعالى :
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً
[ الزخرف : 15 ] وثانيها : قوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[ الزخرف : 19 ] وثالثها : قوله
وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ