تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 632

مساهمون:

ص٦٣٢
المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه تعالى إنما لم يعط الناس نعم الدنيا ، لأجل أنه لو فعل بهم ذلك لدعاهم ذلك إلى الكفر ، فهو تعالى لم يفعل بهم ذلك لأجل أن لا يدعوهم إلى الكفر ، وهذا يدل على أحكام أحدها : أنه إذا لم يفعل بهم ما يدعوهم إلى الكفر فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى وثانيها : أنه ثبت أن فعل اللطف قائم مقام إزاحة العذر والعلة ، فلما بين تعالى أنه لم يفعل ذلك إزاحة للعذر والعلة عنهم ، دل ذلك على أنه يجب أن يفعل بهم كل ما كان لطفا داعيا لهم إلى الإيمان ، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أنه يجب على اللّه تعالى فعل اللطف وثالثها : أنه ثبت بهذه الآية ، أن اللّه تعالى إنما يفعل ما يفعله ويترك ما يتركه لأجل حكمة ومصلحة ، وذلك يدل على تعليل أحكام اللّه تعالى وأفعاله بالمصالح والعلل ، فإن قيل لما بيّن تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم ، لصار ذلك سببا لاجتماع الناس على الكفر ، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سببا لاجتماع الناس على الإسلام ؟ قلنا لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا ، وهذا الإيمان إيمان المنافقين ، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين ، حتى أن كل من دخل الإسلام ، فإنما يدخل فيه لمتابعة الدليل ولطلب رضوان اللّه تعالى ، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب . ثم قال تعالى :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
والمراد منه التنبيه على آفات الدنيا ، وذلك أن من فار بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر اللّه ، ومن صار كذلك صار من جلساء الشياطين الضالين المضلين ، فهذا وجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، قال صاحب « الكشاف » : قرئ
وَمَنْ يَعْشُ
بضم الشين وفتحها ، والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشي ، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به ، قيل عشى ونظيره عرج لمن به الآفة ، وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج ، قال الحطيئة :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
أي تنظر إليها نظر العشي ، لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء ، وقرئ يعشو على أن من موصولة غير مضمنة معنى الشرط ، وحق هذا القارئ أن يرفع
نُقَيِّضْ
ومعنى القراءة بالفتح ، ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن ، لقوله
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ *
[ البقرة : 18 ] وأما القراءة بالضم فمعناها ومن يتعام عن ذكره ، أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتعامى ، كقوله تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
[ النمل : 14 ] ، و
نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً
قال مقاتل : نضم إليه شيطانا
فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ
. ثم قال :
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ
يعني وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى والحق وذكر الكناية عن الإنسان والشياطين بلفظ الجمع ، لأن قوله
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً
يفيد الجمع ، وإن كان اللفظ على الواحد
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
يعني الشياطين يصدون الكفار عن السبيل ، والكفار يحسبون أنهم مهتدون ، ثم عاد إلى لفظ الواحد ، فقال :
حَتَّى إِذا / جاءَنا
يعني الكافر ، وقرئ ( جاءانا ) ، يعني الكافر وشيطانه ، روي أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبره أخذ شيطانه بيده ، فلم يفارقه حتى يصيرهما اللّه إلى النار ، فذلك حيث يقول
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
والمراد يا ليت حصل بيني وبينك بعد على أعظم الوجوه ، واختلفوا في تفسير قوله
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
وذكروا فيه وجوها الأول : قال