الجواب عن الثاني : أن المقصود أن الحق سبحانه هو المتولي لإبقاء السماوات والأرضين على وجوه العمارة في هذا الوقت ، وهو المتولي لتخريبها وإفنائها في يوم القيامة فذلك يدل على حصول قدرة تامة على الإيجاد والإعدام ، وتنبيه أيضاً على كونه غنيا على الإطلاق ، فإنه يدل على أنه إذا حاول تخريب الأرض فكأنه يقبض قبضة صغيرة ويريد إفناءها ، وذلك يدل على كمال الاستغناء .
الجواب عن الثالث : أنه إنما خصص تلك بيوم القيامة ليدل على أنه كما ظهر كمال قدرته في الإيجاد عند عمارة الدنيا ، فكذلك ظهر كمال قدرته عند خراب الدنيا واللّه أعلم .
واعلم أنه تعالى لما قدر كمال عظمته بما سبق ذكره أردفه بذكر طريقة أخرى تدل أيضا على كمال قدرته وعظمته ، وذلك شرح مقدمات يوم القيامة لأن نفخ الصور يكون قبل ذلك اليوم ، فقال :
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
واختلفوا في الصعقة ، منهم من قال إنها غير الموت بدليل قوله تعالى في موسى عليه السلام
وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
[ الأعراف : 143 ] مع أنه لم يمت ، فهذا هو النفخ الذي يورث الفزع الشديد ، وعلى هذا التقدير فالمراد من نفخ الصعقة ومن نفخ الفزع واحد ، وهو المذكور في سورة النمل في قوله
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
[ النمل : 87 ] وعلى هذا القول فنفخ الصور ليس إلا مرتين .
والقول الثاني : أن الصعقة عبارة عن الموت والقائلون بهذا القول قالوا إنهم يموتون من الفزع وشدة الصوت ، وعلى هذا التقدير فالنفخة تحصل ثلاث مرات أولها : نفخة الفزع وهي المذكورة في سورة النمل والثانية : نفخة الصعق والثالثة : نفخة القيام وهما مذكورتان في هذه السورة .
وأما قوله
إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
ففيه وجوه الأول : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : عند نفخة الصعق يموت من في السماوات ومن في الأرض إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت ثم يميت اللّه ميكائيل وإسرافيل ويبقي جبريل وملك الموت ثم يميت جبريل .
والقول الثاني : أنهم هم الشهداء لقوله تعالى :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران : 169 ]
وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش » .
القول الثالث : قال جابر هذا المستثنى هو موسى عليه السلام لأنه صعق مرة فلا يصعق ثانيا .
القول الرابع : أنهم الحور العين وسكان العرش والكرسي .
والقول الخامس : قال قتادة اللّه أعلم بأنهم من هم ، وليس في القرآن والأخبار ما يدل على أنهم من هم .
ثم قال تعالى :
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ
وفيه أبحاث :
الأول : لفظ القرآن دل على أن هذه النفخة متأخرة عن النفخة الأولى ، لأن لفظ ( ثم ) يفيد التراخي ، قال الحسن رحمه اللّه القرآن دل على أن هذه النفخة الأولى ،
وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « أن بينهما أربعين »
ولا أدري أربعون يوماً أو شهراً أو أربعون سنة أو أربعون ألف سنة .
الثاني : قوله
أُخْرى
تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى ، وإنما حسن