أو حسية غير حس البصر كالأصوات والمشي بحس اللمس ، فارتقى وقال : فلو مسخهم وسلب قوتهم بالكلية لا يهتدون إلى الصراط بوجه من الوجوه .
البحث الثالث : قدم المضي على الرجوع ، لأن الرجوع أهون من المضي ، لأن المضي لا ينبئ عن سلوك الطريق من قبل ، وأما الرجوع فينبئ عنه ، ولا شك أن سلوك طريق قد رؤي مرة أهون من سلوك طريق لم ير فقال : لا يستطيعون مضيا ولا أقل من ذلك وهو الرجوع الذي هو أهون من المضي . ثم قال تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 68 ]
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ ( 68 )
فقد ذكرنا أن قوله تعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ
[ يس : 60 ] قطع للأعذار بسبق الإنذار ، ثم لما قرر ذلك / وأتمه شرع في قطع عذر آخر ، وهو أن الكافر يقول لم يكن لبثنا في الدنيا إلا يسيرا ، ولو عمرتنا لما وجدت منا تقصيرا ، فقال اللّه تعالى أفلا تعقلون أنكم كلما دخلتم في السن ضعفتم وقد عمرناكم مقدار ما تتمكنون من البحث والإدراك ، كما قال تعالى :
أَ وَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ
[ فاطر : 37 ] ثم إنكم علمتم أن الزمان كلما يعبر عليكم يزداد ضعفكم فضيعتم زمان الإمكان ، فلو عمرناكم أكثر من ذلك لكان بعده زمان الإزمان ، ومن لم يأت بالواجب زمان الإمكان ما كان يأتي به زمان الإزمان . ثم قال تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : آية 69 ]
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ( 69 )
في الترتيب وجهان ، قد ذكرنا أن اللّه في كل موضع ذكر أصلين من الأصول الثلاثة ، وهي الوحدانية والرسالة والحشر ، ذكر الأصل الثالث منها ، وهاهنا ذكر الأصلين الوحدانية والحشر ، أما الوحدانية ففي قوله تعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
[ يس : 60 ] وفي قوله :
وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
[ يس : 61 ] وأما الحشر ففي قوله تعالى :
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ
[ يس : 64 ] وفي قوله :
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ
[ يس : 65 ] إلى غير ذلك ، فلما ذكرهما وبينهما ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة فقال :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ
وقوله :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ
إشارة إلى أنه معلم من عند اللّه فعلمه ما أراد ولم يعلمه ما لم يرد ، وفي تفسير الآية مباحث :
البحث الأول : خص الشعر بنفي التعليم ، مع أن الكفار كانوا ينسبون إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أشياء من جملتها السحر ، ولم يقل وما علمناه السحر وكذلك كانوا ينسبونه إلى الكهانة ، ولم يقل وما علمناه الكهانة ، فنقول أما الكهانة فكانوا ينسبون النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إليها عندما كان يخبر عن الغيوب ويكون كما يقول . وأما السحر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يفعل ما لا يقدر عليه الغير كشق القمر وتكلم الحصى والجذع وغير ذلك . وأما الشعر فكانوا ينسبونه إليه عندما كان يتلو القرآن عليهم لكنه صلى اللّه عليه وآله وسلم ما كان يتحدى إلا بالقرآن ، كما قال تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
[ البقرة : 23 ] إلى غير ذلك ، ولم يقل إن كنتم في شك من رسالتي فأنطقوا الجذوع أو أشبعوا الخلق العظيم أو أخبروا بالغيوب ، فلما كان تحديه صلى اللّه عليه وآله وسلم بالكلام وكانوا ينسبونه إلى الشعر عند الكلام خص الشعر بنفي التعليم .
البحث الثاني : ما معنى قوله :
وَما يَنْبَغِي لَهُ
؟ قلنا قال قوم ما كان يتأتى له ، وآخرون ما يتسهل له حتى