تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
الفاعل وهو قليل ، والوجه فيه ما ذكرنا ، أن ذكر المتحسر غير مقصود وإنما المقصود أن الحسرة متحققة في ذلك الوقت الثاني : أن قائل يا حسرة هو اللّه على الاستعارة تعظيما للأمر وتهويلا له وحينئذ يكون كالألفاظ التي وردت في حق اللّه كالضحك والنسيان والسخر والتعجب والتمني ، أو نقول ليس معنى قولنا يا حسرة ويا ندامة ، أن القائل متحسر أو نادم بل المعنى أنه مخبر عن وقوع الندامة ولا يحتاج إلى تجوز في بيان كونه تعالى قال :
يا حَسْرَةً
بل يخبر به على حقيقته إلا في النداء ، فإن النداء مجاز والمراد الإخبار الثالث : المتلهفون من المسلمين والملائكة ألا ترى إلى ما حكي عن حبيب أنه حين القتل كان يقول : اللهم اهد قومي وبعد ما قتلوه وأدخل الجنة قال : يا ليت قومي يعلمون ، فيجوز أن يتحسر المسلم للكافر ويتندم له وعليه . المسألة الثالثة : قرئ
يا حَسْرَةً
بالتنوين ، و ( يا حسرة العباد ) بالإضافة من غير كلمة على ، وقرئ يا حسرة علي بالهاء أجراء للوصل مجرى الوقف . المسألة الرابعة : من المراد بالعباد ؟ نقول فيه وجوه أحدها : الرسل الثلاثة كأن الكافرين يقولون عند ظهور البأس يا حسرة عليهم يا ليتهم كانوا حاضرين شأننا لنؤمن بهم وثانيها : هم قوم حبيب وثالثها : كل من كفر وأصر واستكبر وعلى الأول فإطلاق العباد على المؤمنين كما في قوله :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ *
[ الحجر : 42 ] وقوله :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا
[ الزمر : 53 ] وعلى الثاني فإطلاق العباد على الكفار ، وفرق بين العبد مطلقا وبين المضاف إلى اللّه تعالى فإن الإضافة إلى الشريف تكسو المضاف شرفا تقول بيت اللّه فيكون فيه من الشرف ما لا يكون في قولك البيت ، وعلى هذا فقوله تعالى :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ
[ الفرقان : 63 ] من قبيل قوله :
إِنَّ عِبادِي *
[ الحجر : 42 ] وكذلك
عِبادَ اللَّهِ *
[ الصافات : 74 ] . ثم بين اللّه تعالى سبب الحسرة بقوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
وهذا سبب الندامة وذلك لأن من جاءه ملك من بادية ، وأعرفه نفسه ، وطلب منه أمرا هينا فكذبه ولم يجبه إلا ما دعاه ، ثم وقف بين يديه وهو على سرير ملكه فعرفه أنه ذلك ، يكون عنده من الندامة ما لا مزيد عليه ، فكذلك الرسل هم ملوك وأعظم منهم بإعزاز اللّه إياهم وجعلهم نوابه كما قال :
إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] وجاءوا وعرفوا أنفسهم ولم يكن لهم عظمة ظاهرة في الحس ، ثم يوم القيامة أو عند ظهور البأس ظهرت عظمتهم عند اللّه لهم ، وكان ما يدعون إليه أمرا هينا نفعه عائد إليهم من عبادة اللّه وما كانوا يسألون عليه أجرا ، فعند ذلك تكون الندامة الشديدة ، وكيف لا وهم لم يقتنعوا بالإعراض حتى آذوا واستهزءوا واستخفوا واستهانوا / وقوله :
ما يَأْتِيهِمْ
الضمير يجوز أن يكون عائدا إلى قوم حبيب ، أي ما يأتيهم من رسول من الرسل الثلاثة إلا كانوا به يستهزءون على قولنا الحسرة عليهم ، ويجوز أن يكون عائدا إلى الكفار المصرين .

[ سورة يس ( 36 ) : آية 31 ]

أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ( 31 ) ثم إن اللّه تعالى لما بين حال الأولين قال للحاضرين :
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ
أي الباقون لا يرون ما جرى على من تقدمهم ، ويحتمل أن يقال : إن الذين قيل في حقهم :
يا حَسْرَةً
[ يس : 30 ] هم الذين قال في حقهم :
أَ لَمْ يَرَوْا
ومعناه أن كل مهلك تقدمه قوم كذبوا وأهلكوا إلى قوم نوح وقبله .