تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
من يتبع الذكر كأنه يقول : يا محمد إنك بإنذارك تهدي ولا تدري من تهدي فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك الثالث : هو أن نقول قوله :
لِتُنْذِرَ
أي أولا فإذا أنذرت وبالغت وبلغت واستهزأ البعض وتولى واستكبر وولى ، فأعرض بعد ذلك فإنما تنذر الذين اتبعوك الرابع : وهو قريب من الثالث إنك تنذر الكل بالأصول ، وإنما تنذر بالفروع من ترك الصلاة والزكاة من اتبع الذكر وآمن . المسألة الثانية : قوله :
مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
يحتمل وجوها الأول : وهو المشهور من اتبع القرآن الثاني : من اتبع ما في القرآن من الآيات ويدل عليه قوله تعالى :
وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
[ ص : 1 ] فما جعل القرآن نفس الذكر الثالث : من اتبع البرهان فإنه ذكر يكمل الفطرة وعلى كل وجه فمعناه : إنما تنذر العلماء الذين يخشون وهو كقوله تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
[ فاطر : 28 ] وكقوله تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ *
[ البقرة : 82 ] فقوله :
اتَّبَعَ الذِّكْرَ
أي آمن ، وقوله :
وَخَشِيَ الرَّحْمنَ
أي عمل صالحا وهذا الوجه يتأيد بقوله :
فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
لأنا ذكرنا مرارا أن الغفران جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور والأجر الكريم جزاء العمل كما قال تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
[ سبأ : 4 ] وتفسير الذكر بالقرآن يتأيد بتعريف الذكر بالألف واللام ، وقد تقدم ذكر القرآن في قوله تعالى :
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
[ يس : 2 ] وقوله :
وَخَشِيَ الرَّحْمنَ
فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء فقال مع أنه رحمن ورحيم فالعاقل / لا ينبغي أن يترك الخشية فإن كل من كانت نعمته بسبب رحمته أكثر فالخوف منه أتم مخافة أن يقطع عنه النعم المتواترة وتكملة اللطيفة : هي أن من أسماء اللّه اسمين يختصان به هما اللّه والرحمن كما قال تعالى :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
[ الإسراء : 110 ] حتى قال بعض الأئمة : هما علمان إذا عرفت هذا فاللّه اسم ينبئ عن الهيبة والرحمن ينبئ عن العاطفية فقال في موضع
يَرْجُوا اللَّهَ *
[ الأحزاب : 21 ] وقال هاهنا :
وَخَشِيَ الرَّحْمنَ
يعني مع كونه ذا هيبة لا تقطعوا عنه رجاءكم ومع كونه ذا رحمة لا تأمنوه ، وقوله :
بِالْغَيْبِ
يعني بالدليل وإن لم ينته إلى درجة المرئي المشاهد فإن عند الانتهاء إلى تلك الدرجة لا يبقى للخشية فائدة ، والمشهور أن المراد بالغيب ما غاب عنا وهو أحوال القيامة ، وقيل إن الوحدانية تدخل فيه ، وقوله :
فَبَشِّرْهُ
فيه إشارة إلى الأمر الثاني من أمري الرسالة فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بشير ونذير وقد ذكر أنه أرسل لينذر وذكر أن الإنذار النافع عند اتباع الذكر ، فقال بشر : كما أنذرت ونفعت ، وقوله :
بِمَغْفِرَةٍ
على التنكير أي بمغفرة واسعة تستر من جميع الجوانب حتى لا يرى عليه أثر من آثار النفس ويظهر عليه أنوار الروح الزكية
وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
أي ذي كرم ، وقد ذكرنا ما في الكريم في قوله :
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ *
[ الأنفال : 4 ] وفي قوله :
رِزْقاً كَرِيماً
[ الأحزاب : 31 ] . ثم قال تعالى :

[ سورة يس ( 36 ) : آية 12 ]

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ ( 12 ) في الترتيب وجوه أحدها : أن اللّه تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنا مسلما ذكر أصلا آخر وهو الحشر وثانيها : وهو أن اللّه تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله :
فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ
[ يس : 11 ] ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال : إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين وثالثها : أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى وفي التفسير مسائل :
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 257 | فخر الدين الرازي