والجواب : أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء ، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى اللّه تعالى وحده ، كان الفعل الأول مناقضا للفعل الثاني ، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال ، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني ، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب هاهنا . فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال ، فلا جرم ذكر اللّه بحرف الواو لا بحرف الفاء .
السؤال الثاني : ما معنى التخويل ؟ الجواب : التخويل هو التفضل ، يعني نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق .
السؤال الثالث : ما المراد من قوله :
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ
؟ الجواب : يحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم اللّه بكوني مستحقا لذلك ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقا له ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضا فيعالج نفسه ، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج ، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب .
السؤال الرابع : النعمة مؤنثة ، والضمير في قوله :
أُوتِيتُهُ
عائد على النعمة ، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث ، بل قال بعده :
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ
فجعل الضمير مؤنثا فما السبب فيه ؟ والجواب : أن التقدير حتى إذا خولناه شيئا من النعمة ، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر ، فلا جرم جاز الأمران .
ثم قال تعالى :
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ
الضمير في
قالَهَا
راجع إلى قوله
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ
« 1 » لأنها كلمة أو جملة من المقول . و
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
هم قارون وقومه حيث قال
إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي
[ القصص : 78 ] وقومه راضون به فكأنهم قالوها ويجوز أيضا أن يكون في الأمم الخالية قائلون مثلها .
ثم قال تعالى :
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ
أي ما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل والقول الفاسد الذي اكتسبوه من عذاب اللّه شيئا بل أصابهم سيئات ما كسبوا ، ولما بين في أولئك المتقدمين فإنهم أصابهم سيئات ما كسبوا أي عذاب عقائدهم الباطلة وأقوالهم الفاسدة قال :
وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ
أي لا يعجزونني في الدنيا والآخرة .
ثم قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
يعني : أو لم يعلموا أن اللّه تعالى هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء تارة ، ويقبض تارة أخرى ، وقوله :
وَيَقْدِرُ
أي ويقتر ويضيق ، والدليل عليه أنا نرى الناس مختلفين في سعة الرزق وضيقه ، ولا بد من سبب ، وذلك السبب ليس هو عقل الرجل وجهله ، لأنا نرى العاقل القادر في أشد الضيق ، ونرى الجاهل المريض الضعيف في أعظم السعة ، وليس ذلك أيضا لأجل الطبائع والأنجم والأفلاك لأن في الساعة التي ولد فيها ذلك الملك الكبير والسلطان القاهر ، قد ولد فيه أيضا عالم من الناس وعالم من الحيوانات غير الإنسان ، ويولد أيضا في تلك الساعة عالم من النبات ، فلما شاهدنا
هامش
( 1 ) في تفسير الرازي المطبوع زيادة ( عندي ) وأحسبه خطأ لمطابقتها للآية 78 من سورة القصص وهو خلاف ما يقصده الرازي ولعلها سبق قلم منه .