وأما الثاني : فهو التكاليف الحاصلة في أعمال الجوارح وهو المسمى بعلم الفقه والقرآن مشتمل على جملة أصول هذا العلم على أكمل الوجوه .
وأما القسم الخامس : وهو معرفة أسماء اللّه تعالى فهو مذكور في قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها
[ الأعراف : 180 ] فهذا كله يتعلق بمعرفة اللّه .
وأما القسم الثاني : من الأصول المعتبرة في الإيمان الإقرار بالملائكة كما قال تعالى :
وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ
[ البقرة : 285 ] والقرآن يشتمل على شرح صفاتهم تارة على سبيل الإجمال وأخرى على طريق التفصيل ، أما بالإجمال فقوله :
وَمَلائِكَتِهِ
وأما بالتفصيل فمنها ما يدل على كونهم رسل اللّه قال تعالى :
جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا
[ فاطر : 1 ] ومنها أنها مدبرات لهذا العالم ، قال تعالى :
فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
[ الذاريات : 4 ]
فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
[ النازعات : 5 ] وقال تعالى :
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا
[ الصافات : 1 ] ومنها حملة العرش قال :
وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ
[ الحاقة : 17 ] ومنها الحافون حول العرش قال :
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ
[ الزمر : 75 ] ومنها خزنة النار قال تعالى :
عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ
[ التحريم : 6 ] ومنها الكرام الكاتبون قال :
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ
[ الانفطار : 10 ، 11 ] ومنها المعقبات قال تعالى :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
[ الرعد : 11 ] وقد يتصل بأحوال الملائكة أحوال الجن والشياطين .
وأما القسم الثالث : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الكتب والقرآن يشتمل على شرح أحوال كتاب آدم عليه السلام قال تعالى :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ
[ البقرة : 37 ] ومنها أحوال صحف إبراهيم عليه السلام قال تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ
[ البقرة : 124 ] ومنها أحوال التوراة والإنجيل والزبور .
وأما القسم الرابع : من الأصول المعتبرة في الإيمان معرفة الرسل واللّه تعالى قد شرح أحوال البعض وأبهم أحوال الباقين قال :
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ
[ غافر : 78 ] .
القسم الخامس : ما يتعلق بأحوال المكلفين وهي على نوعين الأول : أن يقروا بوجوب هذه التكاليف عليهم وهو المراد من قوله :
وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا
، الثاني : أن يعترفوا بصدور التقصير عنهم في تلك الأعمال ثم طلبوا المغفرة وهو المراد من قوله :
غُفْرانَكَ رَبَّنا
ثم لما كانت مقادير رؤية التقصير في مواقف العبودية بحسب المكاشفات في مطالعة عزة الربوبية أكثر ، كانت المكاشفات في تقصير العبودية أكثر وكان قوله :
غُفْرانَكَ رَبَّنا
أكثر .
القسم السادس : معرفة المعاد والبعث والقيامة وهو المراد من قوله :
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
[ البقرة : 285 ] وهذا هو الإشارة إلى معرفة المطالب المهمة في طلب الدين ، والقرآن بحر لا نهاية له في تقرير هذه المطالب وتعريفها وشرحها ولا ترى في مشارق الأرض ومغاربها كتابا يشتمل على جملة هذه العلوم كما يشتمل القرآن عليها . ومن تأمل في هذا التفسير علم أنا لم نذكر من بحار فضائل القرآن إلا قطرة ، ولما كان الأمر على هذه الجملة ، لا جرم مدح اللّه عز وجل القرآن فقال تعالى :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
واللّه أعلم .