[ في قوله تعالى
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
إلى قوله
أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
] اعلم أن الآية المتقدمة دلت على أنه تعالى بين كونه منزها عن الولد بكونه إلها واحدا وقهارا غالبا أي كامل القدرة ، فلما بنى تلك المسألة على هذه الأصول ذكر عقيبها ما يدل على كمال القدرة وعلى كمال الاستغناء ، وأيضا فإنه تعالى طعن في إلهية الأصنام فذكر عقيبها الصفات التي باعتبارها تحصل الإلهية ، واعلم أنا بينا في مواضع من هذا الكتاب أن الدلائل التي ذكرها اللّه تعالى في / إثبات إلهيته ، إما أن تكون فلكية أو عنصرية ، أما الفلكية فأقسام أحدها : خلق السماوات والأرض ، وهذا المعنى يدل على وجود الإله القادر من وجوه كثيرة شرحناها في تفسير قوله تعالى :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ الأنعام : 1 ] والثاني :
اختلاف أحوال الليل والنهار وهو المراد هاهنا من قوله :
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ
وذلك لأن النور والظلمة عسكران مهيبان عظيمان ، وفي كل يوم يغلب هذا ذاك تارة ، وذاك هذا أخرى . وذلك يدل على أن كل واحد منهما مغلوب مقهور ، ولا بد من غالب قاهر لهما يكونان . تحت تدبيره وقهره وهو اللّه سبحانه وتعالى ، والمراد من هذا التكوير أنه يزيد في كل واحد منهما بقدر ما ينقص عن الآخر ، والمراد من تكوير الليل والنهار ما
ورد في الحديث « نعوذ باللّه من الحور بعد الكور »
أي من الإدبار بعد الإقبال ، واعلم أنه سبحانه وتعالى عبر عن هذا المعنى بقوله :
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ
وبقوله :
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ *
[ الأعراف :
54 ] وبقوله :
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ *
[ فاطر : 13 ] وبقوله :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
[ الفرقان : 62 ] والثالث : اعتبار أحوال الكواكب لا سيما الشمس والقمر ، فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ، وأكثر مصالح هذا العالم مربوطة بهما وقوله :
كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى
الأجل المسمى يوم القيامة ، لا يزالان يجريان إلى هذا اليوم فإذا كان يوم القيامة ذهبا ، ونظيره قوله تعالى :
وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
[ القيامة : 9 ] والمراد من هذا التسخير أن هذه الأفلاك تدور كدوران المنجنون على حد واحد إلى يوم القيامة وعنده تطوى السماء كطي السجل للكتب .
ولما ذكر اللّه هذه الأنواع الثلاثة من الدلائل الفلكية قال :
أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ
والمعنى أن خلق هذه الأجرام العظيمة وإن دل على كونه عزيزا أي كامل القدرة إلا أنه غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان ، فإنه لما كان الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة فكونه غفارا يوجب كثرة الرحمة ، وكثرة الرحمة توجب الرجاء والرغبة ، ثم إنه تعالى أتبع ذكر الدلائل الفلكية بذكر الدلائل المأخوذة من هذا العالم الأسفل ، فبدأ بذكر الإنسان فقال :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
ودلالة تكون الإنسان على الإله المختار قد سبق بيانها مرارا كثيرة ، فإن قيل كيف جاز أن يقول :
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها
والزوج مخلوق قبل خلقهم ؟ أجابوا عنه من وجوه الأول : أن كلمة ثم كما تجيء لبيان كون إحدى