تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
في بعض نواحي الأرض دون بعضها والاختلاف الذي في هيئة الجبل فإن بعضها يكون أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار ، ثم زاده بيانا وقال
جُدَدٌ بِيضٌ
، أي مع دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها ، كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف / ألوانها دلائل . المسألة الرابعة :
مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها
، الظاهر أن الاختلاف راجع إلى كل لون أي بيض مختلف ألوانها وحمر مختلف ألوانها ، لأن الأبيض قد يكون على لون الجص ، وقد يكون على لون التراب الأبيض دون بياض الجص ، وكذلك الأحمر ، ولو كان المراد أن البيض والحمر مختلف الألوان لكان مجرد تأكيد والأول أولى ، وعلى هذا فنقول لم يذكر مختلف ألوانها بعد البيض والحمر والسود ، بل ذكره بعد البيض والحمر وأخر السود الغرابيب ، لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغرابيب يكون بالغا غاية السواد فلا يكون فيه اختلاف . المسألة الخامسة : قيل بأن الغربيب مؤكد للأسود ، يقال أسود غربيب والمؤكد لا يجيء إلا متأخرا فكيف جاء غرابيب سود ؟ نقول قال الزمخشري : غرابيب مؤكد لذي لون مقدر في الكلام كأنه تعالى قال سواد غرابيب ، ثم أعاد السود مرة أخرى وفيه فائدة وهي زيادة التأكيد لأنه تعالى ذكره مضمرا ومظهرا ، ومنهم من قال هو على التقديم والتأخير ، ثم قال تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ
استدلالا آخر على قدرته وإرادته ، وكأن اللّه تعالى قسم دلائل الخلق في العالم الذي نحن فيه وهو عالم المركبات قسمين : حيوان وغير حيوان ، وغير الحيوان إما نبات وإما معدن ، والنبات أشرف ، وأشار إليه بقوله :
فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ
ثم ذكر المعدن بقوله :
وَمِنَ الْجِبالِ
ثم ذكر الحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الإنسان فقال :
وَمِنَ النَّاسِ
ثم ذكر الدواب ، لأن منافعها في حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها ، أو لأن الدابة في العرف تطلق على الفرس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره ، وقوله :
مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
القول فيه كما أنها في أنفسها دلائل ، كذلك في اختلافها دلائل . وأما قوله
مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ
فذكر لكون الإنسان من جملة المذكورين ، وكون التذكير أعلى وأولى . ثم قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
. الخشية بقدر معرفة المخشي ، والعالم يعرف اللّه فيخافه ويرجوه . وهذا دليل على أن العالم أعلى درجة من العابد ، لأن اللّه تعالى قال :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 13 ] فبين أن الكرامة بقدر التقوى ، والتقوى بقدر العلم . فالكرامة بقدر العلم لا بقدر العمل ، نعم العالم إذا ترك العمل قدح ذلك في علمه ، فإن من يراه يقول : لو علم لعمل . ثم قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
ذكر ما يوجب الخوف والرجاء ، فكونه عزيزا ذا انتقام يوجب الخوف التام ، وكونه غفورا لما دون ذلك يوجب الرجاء البالغ . وقراءة من قرأ بنصب العلماء ورفع اللّه ، معناها إنما يعظم ويبجل .

[ سورة فاطر ( 35 ) : آية 29 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ ( 29 ) ثم قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ
. لما بين العلماء باللّه وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب اللّه العالمين بما فيه . وقوله :
يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ
إشارة إلى الذكر .