تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل فجيء به على كرسيه فوضع في حجره ، فوالذي نفسي بيده لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا كلهم في سبيل اللّه فرسانا أجمعون » فذلك قوله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ
الثالث : قوله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ
بسبب مرض شديد ألقاه اللّه عليه ،
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ
منه
جَسَداً
وذلك لشدة المرض . والعرب تقول في الضعيف إنه لحم على وضم وجسم بلا روح
ثُمَّ أَنابَ
أي رجع إلى حال الصحة ، فاللفظ محتمل لهذه الوجوه ولا حاجة البتة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة الرابع : أقول لا يبعد أيضا أن يقال إنه ابتلاه اللّه تعالى بتسليط خوف أو توقع بلاء من بعض الجهات عليه ، وصار بسبب قوة ذلك الخوف كالجسد الضعيف الملقى على ذلك الكرسي ، ثم إنه أزال اللّه عنه ذلك الخوف ، وأعاده إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب . أما قوله تعالى :
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي
فاعلم أن الذين حملوا الكلام المتقدم على صدور الزلة منه تمسكوا بهذه الآية ، فإنه لولا تقدم الذنب لما طلب المغفرة ، ويمكن أن يجاب عنه بأن الإنسان لا ينفك البتة عن ترك الأفضل والأولى ، وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ولأنهم أبدا في مقام هضم النفس ، وإظهار الذلة والخضوع ، كما قال صلى اللّه عليه وسلّم : « إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » ولا يبعد أن يكون المراد من هذه الكلمة هذا المعنى واللّه أعلم . ثم قال تعالى :
وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ثم بعده طلب المملكة . وأيضا الآية تدل على أن طلب المغفرة من اللّه تعالى سبب لانفتاح أبواب الخيرات في الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ثم توسل به إلى طلب المملكة ، ونوح عليه السلام هكذا فعل أيضا لأنه تعالى حكى عنه أنه قال :
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ
[ نوح : 10 - 12 ] وقال لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ
فإن قيل قوله عليه السلام :
مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
مشعر بالحسد ، والجواب عنه أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معنى قوله لا ينبغي لأحد من بعدي ، هو أن يعطيه اللّه ملكا لا تقدر الشياطين أن يقوموا مقامه البتة ، فأما المنكرون لذلك فقد أجابوا عنه من وجوه الأول : أن الملك هو القدرة فكان المراد أقدرني على أشياء لا يقدر عليها غيري البتة ، ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نبوتي ورسالتي . والدليل على صحة هذا الكلام أنه تعالى قال عقيبه
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ
فكون الريح جاريا بأمره قدرة عجيبة وملك عجيب ، ولا شك أنه معجزة دالة على نبوته فكان قوله :
هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
هو هذا المعنى لأن شرط المعجزة أن لا يقدر غيره على معارضتها ، فقوله :
لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
يعني لا يقدر / أحد على معارضته والوجه الثاني : في الجواب أنه عليه السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى الغير بإرث أو بسبب آخر ، فسأل ربه ملكا لا يمكن أن ينتقل منه إلى غيره ، وذلك الذي سأله بقوله :
مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي
أي ملكا لا يمكن أن ينتقل عني إلى غيري الوجه الثالث : في الجواب أن الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حال عدم القدرة عليها ، فكأنه قال : يا إلهي أعطني مملكة فائقة على ممالك البشر بالكلية ، حتى أحترز عنها مع القدرة عليها ليصير ثوابي أكمل وأفضل الوجه الرابع : من الناس من يقول إن الاحتراز عن لذات الدنيا عسر صعب ، لأن هذه اللذات حاضرة وسعادات الآخرة نسيئة ،