لو كانا ملكين لكانا كاذبين في قولهما :
خَصْمانِ
فإنه ليس بين الملائكة خصومة ، ولكانا كاذبين في قولهما :
بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ
ولكانا كاذبين في قولهما :
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً
فثبت أنهما لو كانا ملكين كاذبين والكذب على الملك غير جائز لقوله تعالى :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ
[ الأنبياء : 27 ] ولقوله :
وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ *
[ النحل : 50 ] أجاب الذاهبون إلى القول الأول عن هذا الكلام بأن قالوا إن الملكين إنما ذكرا هذا الكلام على سبيل ضرب المثل لا على سبيل التحقيق فلم يلزم الكذب ، وأجيب عن هذا الجواب بأن ما ذكرتم يقتضي العدول عن ظاهر اللفظ ، ومعلوم أنه على خلاف الأصل ، أما إذا حملنا الكلام على أن الخصمين كانا رجلين دخلا عليه لغرض الشر ثم وضعا هذا الحديث الباطل ، فحينئذ لزم إسناد الكذب إلى شخصين فاسقين فكان هذا أولى من القول الأول واللّه أعلم ، وأما القائلون بكونهما ملكين فقد احتجوا بوجوه الأول :
اتفاق أكثر المفسرين عليه والثاني : أنه أرفع منزلة من أن يتسور عليه آحاد الرعية في حال تعبده فيجب أن يكون ذلك من الملائكة الثالث : أن قوله تعالى :
قالُوا لا تَخَفْ
كالدلالة على كونهما ملكين لأن من هو من رعيته لا يكاد يقول له مثل ذلك مع رفعة منزلته الرابع : أن قولهما :
وَلا تُشْطِطْ
كالدلالة على كونهما ملكين لأن أحدا من رعيته لا يتجاسر أن يقول له لا تظلم ولا تتجاوز عن الحق ، واعلم أن ضعف هذه الدلائل ظاهر ، ولا حاجة إلى الجواب ، واللّه أعلم .
المسألة الثالثة :
بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ
أي تعدى وخرج عن الحد يقال بغى الجرح / إذا أفرط وجعه وانتهى إلى الغاية ، ويقال بغت المرأة إذا زنت ، لأن الزنا كبيرة منكرة ، قال تعالى :
وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ
[ النور : 33 ] ثم قال :
فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ
معنى الحكم إحكام الأمر في إمضاء تكليف اللّه عليهما في الواقعة ، ومنه حكمة الدابة لأنها تمنع من الجماح ، ومنه بناء محكم إذا كان قويا ، وقوله :
بِالْحَقِّ
أي بالحكم الحق وهو الذي حكم اللّه به
وَلا تُشْطِطْ
يقال شط الرجل إذا بعد ، ومنه قوله : شطت الدار إذا بعدت ، قال تعالى :
لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
[ الكهف : 14 ] أي قولا بعيدا عن الحق ، فقوله :
وَلا تُشْطِطْ
أي لا تبعد في هذا الحكم عن الحق ، ثم قال :
وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ
وسواء الصراط هو وسطه ، قال تعالى :
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
[ الصافات : 55 ] ووسط الشيء أفضله وأعدله ، قال تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة :
143 ] وأقول إنهم عبروا عن المقصود الواحد بثلاث عبارات أولها : قولهم فاحكم بالحق وثانيها : قولهم :
وَلا تُشْطِطْ
وهي نهي عن الباطل وثالثها : قولهم :
وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ
يعني يجب أن يكون سعيك في إيجاد هذا الحق . وفي الاحتراز عن هذا الباطل أن تردنا من الطريق الباطل إلى الطريق الحق ، وهذا مبالغة تامة في تقرير المطلوب ، واعلم أنهم لما أخبروا عن وقوع الخصومة على سبيل الإجمال أردفوه ببيان سبب تلك الخصومة على سبيل التفصيل ، فقال :
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب « الكشاف »
أَخِي
يدل من هذا أو خبر لقوله :
إِنَّ
والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة أو أخوة الشركة والخلطة ، لقوله تعالى :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ
وكل واحدة من هذه الأخوات توجب الامتناع من الظلم والاعتداء .
المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » قرئ
تِسْعٌ وَتِسْعُونَ
بفتح التاء ونعجة بكسر النون ، وهذا من اختلاف اللغات نحو نطع ونطع ، ولقوة ولقوة وهي الأنثى من العقبان .