تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
قوله :
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ
هو قوله تعالى :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً
[ الأنعام : 76 ] إلى آخر الآيات وكان ذلك النظر لأجل أن يتعرف أحوال هذه الكواكب هل هي قديمة أو محدثة ، وقوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
يعني سقيم القلب غير عارف بربي وكان ذلك قبل البلوغ الوجه الرابع : قال ابن زيد كان له نجم مخصوص ، وكلما طلح على صفة مخصوصة مرض إبراهيم ولأجل هذا الاستقراء لما رآه في ذلك الوقت طالعا على تلك الصفة المخصوصة قال :
إِنِّي سَقِيمٌ
أي هذا السقم واقع لا محالة الوجه الخامس : أن قوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
أي مريض القلب بسبب إطباق ذلك الجمع العظيم على الكفر والشرك ، قال تعالى لمحمد صلي اللّه عليه وسلّم
لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
[ الشعراء : 3 ] الوجه السادس : في الجواب أنا لا نسلم أن النظر في / علم النجوم والاستدلال بمقايستها حرام ، لأن من اعتقد أن اللّه تعالى خص كل واحد من هذه الكواكب بقوة وبخاصية لأجلها يظهر منه أثر مخصوص ، فهذا العلم على هذا الوجه ليس بباطل . وأما الكذب فغير لازم لأنه ذكر قوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
على سبيل التعريض بمعنى أن الإنسان لا ينفك في أكثر أحواله عن حصول حالة مكروهة ، إما في بدنه وإما في قلبه وكل ذلك سقم . الوجه السابع : قال بعضهم ذلك القول عن إبراهيم عليه السلام كذبة ورووا فيه حديثا عن النبي صلي اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » قلت لبعضهم هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل لأن نسبة الكذب إلى إبراهيم لا تجوز فقال ذلك الرجل فكيف يحكم بكذب الرواة العدول ؟ فقلت لما وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليل عليه السلام كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى ، ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد بكونه كذبا خبرا شبيها بالكذب ؟ والوجه الثامن : أن المراد من قوله
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ
أي نظر في نجوم كلامهم ومتفرقات أقوالهم ، فإن الأشياء التي تحدث قطعة قطعة يقال إنها منجمة أي متفرقة ومنه نجوم الكتابة ، والمعنى أنه لما سمع كلماتهم المتفرقة نظر فيها كي يستخرج منها حيلة يقدر بها على إقامة عذر لنفسه في التخلف عنهم فلم يجد عذرا أحسن من قوله :
إِنِّي سَقِيمٌ
والمراد أنه لا بد من أن أصير سقيما كما تقول لمن رأيته على أوقات السفر إنك مسافر . واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما قال :
إِنِّي سَقِيمٌ
تولوا عنه معرضين فتركوه وعذروه في أن لا يخرج اليوم فكان ذلك مراده
فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ
يقال راغ إليه إذا مال إليه في السر على سبيل الخفية ، ومنه روغان الثعلب . وقوله :
أَ لا تَأْكُلُونَ
يعني الطعام الذي كان بين أيديهم ، وإنما قال ذلك استهزاء بها ، وكذا قوله :
ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ * فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً
فأقبل عليهم مستخفيا كأنه قال فضربهم ضربا لأن راغ عليهم في معنى ضربهم أو فراغ عليهم ضربا بمعنى ضاربا . وفي قوله :
بِالْيَمِينِ
قولان الأول : معناه بالقوة والشدة لأن اليمين أقوى الجارحتين والثاني : أنه أتى بذلك الفعل بسبب الحلف ، وهو قوله تعالى عنه
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ
[ الأنبياء : 57 ] ثم قال :
فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ
قرأ حمزة
يَزِفُّونَ
بضم الياء والباقون بفتحها وهما لغتان ، قال ابن عرفة من قرأ بالنصب فهو من زف يزف ، ومن قرأ بالضم فهو من أزف يزف ، قال الزجاج : يزفون يسرعون وأصله من زفيف النعامة وهو ابتداء عدوها ، وقرأ حمزة يزفون أي يحملون غيرهم على الزفيف ، قال الأصمعي يقال أزففت الإبل إذا حملتها على أن تزف ، قال وهو سرعة الخطوة ومقاربة المشي والمفعول محذوف على قراءته كأنهم حملوا دوابهم على الإسراع في المشي ، فإن قيل مقتضى هذه الآية أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها عدوا إليه وأخذوه ، وقال في سورة أخرى في عين هذه القصة
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
[ الأنبياء : 59 ، 60 ] وهذا يقتضي أنهم في أول الأمر ما عرفوه فبين هاتين الآيتين