الأقرب من السطح الأسفل من الفلك ، فيبقى جرم الفلك مانعا من وصول الشياطين إلى القرب من الملائكة ، ولعل الفلك عظيم المقدار دفع حصول هذا المانع العظيم ، كيف يعقل أن تسمع الشياطين كلام الملائكة ، فإن قلتم إن اللّه تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام الملائكة ، فنقول فعلى هذا التقدير إذا كان اللّه تعالى يقوي سمع الشيطان حتى يسمع كلام الملائكة ، وجب أن لا ينفي سمع الشيطان ، وإن كان لا يريد منع الشيطان من العمل فما الفائدة في رميه بالرجوم ؟ فالجواب : مذهبنا أن أفعال اللَّه تعالى غير معللة ، فيفعل اللَّه ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولا اعتراض لأحد عليه في شيء من أفعاله ، فهذا ما يتعلق بمباحث هذا الباب ، وإذا أضيف ما كتبناه هاهنا إلى ما كتبناه في سورة الملك ، وفي سائر الآيات المشتملة على هذه المسألة بلغ تمام الكفاية في هذا الباب ، واللّه أعلم .
وأما قوله :
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى
ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم
لا يَسَّمَّعُونَ
بتشديد السين والميم وأصله يتسمعون ، فأدغمت التاء في السين لاشتراكهما في الهمس ، والتسمع تطلب السماع يقال تسمع سمع أو لم يسمع ، والباقون بتخفيف السين ، واختار أبو عبيد التشديد في يسمعون ، قال لأن العرب تقول تسمعت إلى فلان ويقولون سمعت فلانا ، ولا يكادون يقولون سمعت إلى فلان ، وقيل في تقوية هذه القراءة إذا نفى التسمع ، فقد نفى سمعه ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى :
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ
[ الشعراء : 212 ] وروى مجاهد عن ابن عباس : أن الشياطين يسمعون إلى الملأ الأعلى ، ثم يمنعون فلا يسمعون ، وللأولين أن يجيبوا فيقولون التنصيص على كونهم معزولين عن السمع لا يمنع من كونهم معزولين أيضا عن التسمع بدلالة هذه الآية ، بل هو أقوى في ردع الشياطين ومنعهم من استماع أخبار السماء ، فإن الذي منع من الاستماع فبأن يكون ممنوعا من السمع أولى .
المسألة الثانية : الفرق بين قولك سمعت حديث فلان ، وبين قولك سمعت إلى حديثه ، بأن قولك سمعت حديثه يفيد الإدراك ، وسمعت إلى حديثه يفيد الإصغاء مع الإدراك .
المسألة الثالثة : في قوله :
لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى
قولان الأول : وهو المشهور أن تقدير الكلام لئلا يسمعوا ، فلما حذف الناصب عاد الفعل إلى الرفع كما قال :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
[ النساء :
176 ] وكما قال :
رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ *
[ لقمان : 10 ] قال صاحب « الكشاف » : حذف أن واللام كل واحد منهما جائز بانفراده . أما اجتماعهما فمن المنكرات التي يجب صون القرآن عنها والقول الثاني : وهو الذي اختاره صاحب « الكشاف » أنه كلام مبتدأ منقطع عما قبله ، وهو حكاية حال المسترقة للسمع وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة ويتسمعوا وهم مقذوفون بالشهب ، مدحورون عن ذلك المقصود .
المسألة الرابعة : الملأ الأعلى الملائكة لأنهم يسكنون السماوات . وأما الإنس والجن فهم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض .
واعلم أنه تعالى وصف أولئك الشياطين بصفات ثلاثة الأولى : أنهم لا يسمعون الثانية : أنهم يقذفون من كل جانب دحورا وفيه أبحاث :