نضجا آخر ، ويكون مع الغذاء المتوجه من المعدة إلى الكبد فضل ماء مشروب ليرقق وينذرق في العروق الدقاق المذكورة ، وفي الكبد يستغني عن ذلك الماء فيتميز عنه ذلك الماء وينصب من جانب حدبة الكبد إلى الكلية ومعه دم يسير تغتذي به الكلية وغيرها ، ويخرج الدم الخالص من الكبد في عرق كبير ، ثم يتشعب ذلك النهر إلى جداول ، والجداول إلى سواق ، والسواقي إلى رواضع ويصل فيها إلى جميع البدن ، فهذه حكمة واحدة في خلق الإنسان ، وهذه كفاية في معرفة كون اللّه فاعلا مختارا قادرا كاملا عالما شاملا علمه ، ومن يكون كذلك يكون واحدا وإلا لكان عاجزا عند إرادة شريكه ضد ما أراده . وأما دلالة الإنسان على الحشر فذلك لأنه إذا تفكر في نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال ، وأجزاءه مائلة إلى الانحلال فله فناء ضروري ، فلو لم يكن له حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه للفناء عبثا ، وإليه أشار بقوله :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً
[ المؤمنون : 115 ] وهذا ظاهر ، لأن من يفعل شيئا للعبث فلو بالغ في إحكامه وإتقانه يضحك منه ، فإذا خلقه للبقاء ولا بقاء دون اللقاء فالآخرة لا بد منها ، ثم إنه تعالى ذكر بعد دليل الأنفس دليل الآفاق فقال :
ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى
فقوله :
إِلَّا بِالْحَقِّ
إشارة إلى وجه دلالتها على الوحدانية ، وقد بينا ذلك في قوله :
خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ
[ العنكبوت : 44 ] ونعيده فإن التكرير في الذهن يفيد التقرير لذي الذهن ، فنقول إذا كان بالحق لا يكون فيها بطلان / فلا يكون فيها فساد لأن كل فاسد باطل وإذا لم يكن فيها فساد لا تكون آلهة وإلا لكان فيها فساد كما قال تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
[ الأنبياء : 22 ] وقوله :
وَأَجَلٍ مُسَمًّى
يذكر بالأصل الآخر الذي أنكروه .
ثم قال تعالى :
وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ
يعني لا يعلمون أنه لا بد بعد هذه الحياة من لقاء وبقاء إما في إسعاد أو شقاء ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قدم هاهنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق ، وفي قوله تعالى :
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
[ فصلت : 53 ] قدم دلائل الآفاق ، وذلك لأن المفيد إذا أفاد فائدة يذكرها على وجه جيد يختاره فإن فهمه السامع المستفيد فذلك وإلا يذكرها على وجه أبين منه وينزل درجة فدرجة ، وأما المستفيد فإنه يفهم أولا الأبين ، ثم يرتقي إلى فهم ذلك الأخفى الذي لم يكن فهمه فيفهمه بعد فهم الأبين المذكور آخرا ، فالمذكور من المفيد آخرا مفهوم عند السامع أولا ، إذا علم هذا فنقول هاهنا الفعل كان منسوبا إلى السامع حيث قال :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
يعني فيما فهموه أولا ولم يرتقوا إلى ما فهموه ثانيا ، وأما في قوله :
سَنُرِيهِمْ
الأمر منسوب إلى المفيد المسمع فذكر أولا : الآفاق فإن لم يفهموه فالأنفس لأن دلائل الأنفس لا ذهول للإنسان عنها ، وهذا الترتيب مراعى في قوله تعالى :
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
[ آل عمران :
191 ] أي يعلمون اللّه بدلائل الأنفس في سائر الأحوال
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
بدلائل الآفاق .
المسألة الثانية : وجه دلالة الخلق بالحق على الوحدانية ظاهر ، وأما وجه دلالته على الحشر فكيف هو ؟
فنقول وقوع تخريب السماوات وعدمها لا يعلم بالعقل إلا إمكانه ، وأما وقوعه فلا يعلم إلا بالسمع ، لأن اللّه قادر على إبقاء الحادث أبدا كما أنه يبقى الجنة والنار بعد إحداثهما أبدا ، والخلق دليل إمكان العدم ، لأن المخلوق لم يجب له القدم فجاز عليه العدم ، فإذا أخبر الصادق عن أمر له إمكان وجب على العاقل التصديق والإذعان ،