تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
النجاة بها أمر يكون كذلك إلى أن يقال له فمن أين علم أنه يحتاج إليها ولو دام الماء حتى ينفد زادهم كيف كان يحصل لهم النجاة ؟ ولو سلط اللّه عليهم الريح العاصفة كيف يكون أحوالهم ؟ . المسألة الثالثة : قال هناك
لِلْعالَمِينَ
وقال هاهنا :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
قلنا لأن السفينة موجودة في جميع أقطار العالم فعند كل قوم مثال لسفينة نوح يتذكرون بها حاله ، وإذا ركبوها يطلبون من اللّه النجاة ولا يثق أحد بمجرد السفينة ، بل يكون دائما مرتجف القلب متضرعا إلى اللّه تعالى طلبا للنجاة ، وأما أثر الهلاك في بلاد لوط ففي موضع مخصوص لا يطلع عليه إلا من يمر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من اللّه المريد ، بسبب اختصاصه بمكان دون مكان ووجوده في زمان بعد زمان . / ثم قال تعالى :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 36 إلى 37 ]

وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( 36 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ( 37 ) [ في قوله تعالى
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ
] لما أتم الحكاية الثانية على وجه الاختصار لفائدة الاعتبار شرع في الثالثة وقال :
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ
واختلف المفسرون في مدين ، فقال بعضهم إنه اسم رجل في الأصل وحصل له ذرية فاشتهر في القبيلة كتميم وقيس وغيرهما ، وقال بعضهم اسم ماء نسب القوم إليه ، واشتهر في القوم ، والأول كأنه أصح وذلك لأن اللّه أضاف الماء إلى مدين حيث قال :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[ القصص : 23 ] ولو كان اسما للماء لكانت الإضافة غير صحيحة أو غير حقيقة والأصل في الإضافة التغاير حقيقة ، وقوله :
أَخاهُمْ
قيل لأن شعيبا كان منهم نسبا ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال اللّه تعالى في نوح :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ
[ العنكبوت : 14 ] قدم نوحا في الذكر وعرف القوم بالإضافة إليه وكذلك في إبراهيم ولوط ، وهاهنا ذكر القوم أولا وأضاف إليهم أخاهم شعيبا ، فنقول الأصل في جميع المواضع أن يذكر القوم ثم يذكر رسولهم لأن المرسل لا يبعث رسولا إلى غير معين ، وإنما يحصل قوم أو شخص يحتاجون إلى إنباء من المرسل فيرسل إليهم من يختاره غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها ، فعرفوا بالنبي فقيل قوم نوح وقوم لوط ، وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس فجرى الكلام على أصله وقال اللّه :
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً
وقال :
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً *
[ الأعراف : 65 ] . المسألة الثانية : لم يذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد ، وذكر عن شعيب ذلك ؟ قلنا قد ذكرنا أن لوطا كان له قوم وهو كان من قوم إبراهيم وفي زمانه ، وإبراهيم سبقه بذلك واجتهد فيه حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق من إبراهيم فلم يذكره عن لوط وإنما ذكر منه ما اختص به من المنع عن الفاحشة وغيرها ، وإن كان هو أيضا يأمر بالتوحيد ، إذ ما من رسول إلا ويكون أكثر كلامه في التوحيد ، وأما شعيب فكان بعد انقراض القوم فكان هو أصلا أيضا في التوحيد فبدأ به وقال :
اعْبُدُوا اللَّهَ
. المسألة الثالثة : الإيمان لا يتم إلا بالتوحيد ، والأمر بالعبادة لا يفيده لأن من يعبد اللّه / ويعبد غيره فهو مشرك فكيف اقتصر على قوله :
اعْبُدُوا اللَّهَ
؟ فنقول : هذا الأمر يفيد التوحيد ، وذلك لأن من يرى غيره يخدم