تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
يخلد في النار لأن بإيمانه تكفر سيئاته فلا يخلد في العذاب الثاني : الجزاء الأحسن المذكور هاهنا غير الجنة ، وذلك لأن المؤمن بإيمانه يدخل الجنة إذ تكفر سيئاته ومن كفرت سيئاته أدخل الجنة ، فالجزاء الأحسن يكون غير الجنة وهو ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، ولا يبعد أن يكون هو الرؤية . الأمر الثالث : هو أن الإيمان يستر قبح الذنوب في الدنيا فيستر اللّه عيوبه في الأخرى ، والعمل الصالح يحسن حال الصالح في الدنيا فيجزيه اللّه الجزاء الأحسن في العقبى ، فالإيمان إذن لا يبطله العصيان بل هو يغلب المعاصي ويسترها ويحمل صاحبها على الندم ، واللّه أعلم . المسألة الثامنة : قوله :
لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ
يستدعي وجود السيئات حتى تكفر
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
بأسرها من أين يكون لهم سيئة ؟ فنقول : الجواب عنه من وجهين أحدهما : أن وعد الجميع بأشياء لا يستدعي وعد كل واحد بكل واحد من تلك الأشياء ، مثاله : إذا قال الملك لأهل بلد إذا أطعتموني أكرم آباءكم واحترم أبناءكم وأنعم عليكم وأحسن / إليكم ، لا يقتضي هذا أنه يكرم آباء من توفى أبوه ، أو يحترم ابن من لم يولد له ولد ، بل مفهومه أنه يكرم أب من له أب ، ويحترم ابن من له ابن ، فكذلك يكفر سيئة من له سيئة الجواب الثاني : ما من مكلف إلا وله سيئة أما غير الأنبياء فظاهر ، وأما الأنبياء فلأن ترك الأفضل منهم كالسيئة من غيرهم ، ولهذا قال تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ
[ التوبة : 43 ] . المسألة التاسعة : قوله :
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ
يحتمل وجهين أحدهما : لنجزينهم بأحسن أعمالهم وثانيهما : لنجزينهم أحسن من أعمالهم . وعلى الوجه الأول معناه نقدر أعمالهم أحسن ما تكون ونجزيهم عليها لا أنه يختار منها أحسنها ويجزى عليه ويترك الباقي ، وعلى الوجه الثاني : معناه قريب من معنى قوله تعالى :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
[ الأنعام : 160 ] وقوله :
فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها *
[ النمل : 89 ] . المسألة العاشرة : ذكر حال المسئ مجملا بقوله :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا
إشارة إلى التعذيب مجملا . وذكر حال المحسن مجملا بقوله :
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ
ومفصلا بهذه الآية ، ليكون ذلك إشارة إلى أن رحمته أتم من غضبه وفضله أعم من عدله .

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 8 ]

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) [ في قوله تعالى
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
] وفي الآية مسائل : الأولى : ما وجه تعلق الآية بما قبلها ؟ نقول : لما بين اللّه حسن التكاليف ووقوعها ، وبين ثواب من حقق التكاليف أصولها وفروعها تحريضا للمكلف على الطاعة ، ذكر المانع ومنعه من أن يختار اتباعه ، فقال الإنسان إن انقاد لأحد ينبغي أن ينقاد لأبويه ، ومع هذا لو أمراه بالمعصية لا يجوز اتباعهما فضلا عن غيرهما فلا يمنعن أحدكم شيء من طاعة اللّه ولا يتبعن أحد من يأمر بمعصية اللّه . المسألة الثانية : في القراءة قرئ حسنا وإحسانا وحسنا أظهر هاهنا ، ومن قرأ إحسانا فمن قوله تعالى :
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً *
[ البقرة : 83 ] والتفسير على القراءة المشهورة هو أن اللّه تعالى وصى الإنسان بأن يفعل مع والديه حسن التأبي بالفعل والقول ، ونكر حسنا ليدل على الكمال ، كما يقال إن لزيد مالا .