تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
المسألة الأولى : قوله :
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ
لقاء يحتمل أن يكون منصوبا بذوقوا ، أي ذوقوا لقاء يومكم بما نسيتم ، وعلى هذا يحتمل أن يكون المنسي هو الميثاق الذي أخذ منهم بقوله :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى
[ الأعراف : 172 ] أو بما في الفطرة من الوحدانية فينسى بالإقبال على الدنيا والاشتغال بها ويحتمل أن يكون منصوبا بقوله :
نَسِيتُمْ
أي بما نسيتم لقاء هذا اليوم ذوقوا ، وعلى هذا لو قال قائل النسيان لا يكون إلا في المعلوم أولا إذا جهل آخرا نقول لما ظهرت براهينه فكأنه ظهر وعلم ، ولما تركوه بعد الظهور ذكر بلفظ النسيان إشارة إلى كونهم منكرين لأمر ظاهر كمن ينكر أمرا كان قد علمه . المسألة الثانية : قوله تعالى :
هذا
يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون إشارة إلى اليوم ، أي فذوقوا بما نسيتم لقاء هذا اليوم وثانيها : أن يكون إشارة إلى لقاء اليوم ، أي فذوقوا بما نسيتم هذا اللقاء وثالثها : أن يكون إشارة إلى العذاب ، أي فذوقوا هذا العذاب بما نسيتم لقاء يومكم ، ثم قال إنا نسيناكم ، أي تركناكم بالكلية غير ملتفت إليكم كما يفعله الناسي قطعا لرجائكم ، ثم ذكر ما يلزم من تركه إياهم كما يترك الناسي وهو خلود العذاب ، لأن من لا يخلصه اللّه فلا خلاص له ، فقال :
وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
ثم قال تعالى :

[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 15 ]

إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ( 15 ) إشارة إلى أن الإيمان بالآيات كالحاصل ، وإنما ينساه البعض فإذا ذكر بها خرّ ساجدا له ، يعني انقادت أعضاؤه له ، وسبح بحمده ، يعني ويحرك لسانه بتنزيهه عن الشرك ، وهم لا يستكبرون ، يعني وكان قلبه خاشعا لا يتكبر ومن لا يستكبر عن عبادته فهو المؤمن حقا . ثم قال تعالى :

[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 16 ]

تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 16 ) يعني بالليل قليلا ما يهجعون وقوله :
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
أي يصلون ، فإن الدعاء والصلاة من باب واحد في المعنى أو يطلبونه وهذا لا ينافي الأول لأن الطلب قد يكون بالصلاة ، والحمل على الأول أولى / لأنه قال بعده :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
وفي أكثر المواضع التي ذكر فيها الزكاة ذكر الصلاة قبلها كقوله تعالى :
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
[ البقرة : 3 ] وقوله :
خَوْفاً وَطَمَعاً
يحتمل أن يكون مفعولا له ويحتمل أن يكون حالا ، أي خائفين طامعين كقولك جاءوني زورا أي زائرين ، وكأن في الآية الأولى إشارة إلى المرتبة العالية وهي العبادة لوجه اللّه تعالى مع الذهول عن الخوف والطمع بدليل قوله تعالى :
إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا
[ السجدة : 15 ] فإنه يدل على أن عند مجرد الذكر يوجد منهم السجود وإن لم يكن خوف وطمع . وفي الآية الثانية إشارة إلى المرتبتين الأخيرتين وهي العبادة خوفا كمن يخدم الملك الجبار مخافة سطوته أو يخدم الملك الجواد طمعا في بره ، ثم بين ما يكون لهم جزاء فعلهم . ثم قال تعالى :

[ سورة السجدة ( 32 ) : آية 17 ]

فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 17 ) يعني مما تقر العين عنده ولا تلتفت إلى غيره يقال إن هذا لا يدخل في عيني ، يعني عيني تطلع إلى غيره ، فإذا لم يبق تطلع للعين إلى شيء آخر لم يبق للعين مسرح إلى غيره فتقر جزاء بحكم الوعد ، وهذا فيه لطيفة