عنهما جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل فيه فمن فرط في عمل في أحدهما قضاه في الآخر ،
قال أنس بن مالك قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم لعمر بن الخطاب وقد فاتته قراءة القرآن بالليل : « يا ابن الخطاب لقد أنزل اللَّه فيك آية وتلا :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ
ما فاتك من النوافل بالليل فاقضه في نهارك ، وما فاتك من النهار فاقضه في ليلك »
القول الثاني : وهو قول مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل شيئين اختلفا هما خلفان فقوله
خِلْفَةً
أي مختلفين وهذا أسود وهذا أبيض وهذا طويل وهذا قصير ، والقول الأول أقرب .
أما قوله تعالى :
أَنْ يَذَّكَّرَ
فقراءة العامة بالتشديد وقراءة حمزة بالتخفيف وعن أبي بن كعب ( يتذكر ) ، والمعنى لينظر الناظر في اختلافهما فيعلم أنه لا بد في انتقالهما من حال إلى حال [ وتغيرهما ] من ناقل ومغير وقوله :
أَنْ يَذَّكَّرَ
راجع إلى كل ما تقدم من النعم ، بين تعالى أن الذين قالوا وما الرحمن لو تفكروا في هذه النعم وتذكروها لاستدلوا بذلك على عظيم قدرته ، ولشكر الشاكرين على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار كما قال تعالى :
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ
[ القصص : 73 ] أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين ، من فاته في أحدهما ورد من العبادة قام به في الآخر ، والشكور مصدر شكر يشكر شكورا .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 63 إلى 67 ]
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً ( 64 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ( 65 ) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 66 ) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 )
اعلم أن قوله :
وَعِبادُ الرَّحْمنِ
مبتدأ خبره في آخر السورة كأنه قيل وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة ، ويجوز أن يكون خبره
الَّذِينَ يَمْشُونَ
، واعلم أنه سبحانه خص اسم العبودية بالمشتغلين بالعبودية ، فدل ذلك على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوقات ، وقرئ
وَعِبادُ الرَّحْمنِ
واعلم أنه سبحانه وصفهم بتسعة أنواع من الصفات :
الصفة الأولى : قوله :
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
وهذا وصف سيرتهم بالنهار وقرئ يمشون
هَوْناً
حال أو صفة للمشي بمعنى هينين أو بمعنى مشيا هينا ، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة ، والهون الرفق واللين ومنه
الحديث « أحبب حبيبك هونا ما »
و
قوله : « المؤمنون هينون لينون »
والمعنى أن مشيهم يكون في لين وسكينة ووقار وتواضع ، ولا يضربون بأقدامهم [ ولا يخفقون بنعالهم ] « 1 » أشرا وبطرا ، ولا يتبخترون لأجل الخيلاء كما قال :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً *
[ الإسراء : 37 ] وعن زيد بن / أسلم التمست تفسير
هَوْناً
فلم أجد ، فرأيت في النوم فقيل لي هم الذين لا يريدون الفساد في الأرض ، وعن ابن زيد لا
هامش
( 1 ) زيادة من الكشاف 3 / 99 .