عظيم اقتداره برزخا حائلا من قدرته ، وهاهنا سؤالات :
السؤال الأول : ما معنى قوله :
وَحِجْراً مَحْجُوراً
؟ الجواب : هي الكلمة التي يقولها المتعوذ وقد فسرناها ، وهي هاهنا واقعة على سبيل المجاز ، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له حجرا محجورا ، كما قال :
لا يَبْغِيانِ
[ الرحمن : 20 ] أي لا يبغي أحدهما على صاحبه بالممازجة فانتفاء البغي [ ثمة ] « 1 » كالتعوذ ، وهاهنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه ، فهو يتعوذ منه وهي من أحسن الاستعارات .
السؤال الثاني : لا وجود للبحر العذب ، فكيف ذكره اللَّه تعالى هاهنا ؟ لا يقال : هذا مدفوع من وجهين :
الأول : أن المراد منه الأودية العظام كالنيل وجيحون الثاني : لعله جعل في البحار موضعا يكون أحد جانبيه عذبا والآخر ملحا ، لأنا نقول : أما الأول فضعيف لأن هذه الأودية ليس فيها ماء ملح ، والبحار ليس فيها ماء عذب ، فلم يحصل البتة موضع التعجب وأما / الثاني فضعيف ، لأن موضع الاستدلال لا بد وأن يكون معلوما ، فأما بمحض التجويز فلا يحسن الاستدلال ، لأنا نقول المراد من البحر العذب هذه الأودية ، ومن الأجاج البحار الكبار ، وجعل بينهما برزخا ، أي حائلا من الأرض ، ووجه الاستدلال هاهنا بين ، لأن العذوبة والملوحة إن كانت بسبب طبيعة الأرض أو الماء ، فلا بد من الاستواء ، وإن لم يكن كذلك فلا بد من قادر حكيم يخص كل واحد من الأجسام بصفة خاصة معينة .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 54 ]
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 )
[ النوع الخامس من دلائل التوحيد ] واعلم أن هذا هو النوع الخامس من دلائل التوحيد وفيه بحثان :
الأول : ذكروا في هذا الماء قولين : أحدهما : أنه الماء الذي خلق منه أصول الحيوان ، وهو الذي عناه بقوله :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ
[ النور : 45 ] والثاني : أن المراد النطفة لقوله :
خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ
[ الطارق : 6 ] ،
مِنْ ماءٍ مَهِينٍ *
[ المرسلات : 20 ] .
البحث الثاني : المعنى أنه تعالى قسم البشر قسمين ذوي نسب ، أي ذكورا ينسب إليهم ، فيقال فلان بن فلان ، وفلانة بنت فلان ، وذوات صهر ، أي إناثا ( يصاهرن ) « 2 » ونحوه ، قوله تعالى :
فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
[ القيامة : 39 ] ،
وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً
حيث خلق من النطفة الواحدة نوعين من البشر الذكر والأنثى .
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 55 إلى 58 ]
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 ) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 )
واعلم أنه تعالى لما شرح دلائل التوحيد عاد إلى تهجين سيرتهم في عبادة الأوثان ، وفي الآية مسائل :
هامش
( 1 ) زيادة من الكشاف .
( 2 ) في الكشاف ( يصاهر بهن ) .