تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
بعد صيرورته مستعملا ، وأيضا قوله :
طَهُوراً
يقتضي جواز التطهر به مرة بعد أخرى والثاني : أنه أمر بالغسل مطلقا في قوله :
فَاغْسِلُوا
[ المائدة : 6 ] واستعمال كل المائعات غسل ، لأنه لا معنى للغسل إلا إمرار الماء على العضو ، قال الشاعر :
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها
فمن اغتسل بالماء المستعمل فقد أتى بالغسل ، فوجب أن يكون مجزئا له لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة وأما السنة فما روي أنه عليه السلام « توضأ فمسح رأسه بفضل ما في يده » و عنه عليه السلام : « أنه توضأ فأخذ من بلل لحيته فمسح به رأسه » و عن ابن عباس أنه عليه السلام : « اغتسل فرأى لمعة في جسده لم يصبها الماء ، فأخذ شعرة عليها بلل فأمرها على تلك اللمعة » . وأما القياس فإنه ماء طاهر لقي جسدا طاهرا فأشبه ما إذا لقي حجارة أو حديدا ، وكذا الماء المستعمل في الكرة الرابعة والمستعمل في التبرد والتنظيف ، ولأنه لا خلاف أنه إذا وضع الماء على أعلى وجهه وسقط به فرض ذلك الموضع ، ثم نزل ذلك الماء بعينه إلى بقية الوجه فإنه يجزيه مع أن ذلك الماء صار مستعملا في أعلى الوجه . المسألة الثانية : الدليل على أن الماء المستعمل طاهر قوله تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
ومن السنة أنه عليه السلام : أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه ، وقال : « خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه أو لونه » وقال الشافعي : إنه عليه السلام توضأ ولا شك أنه أصابه ما تساقط منه ، ولم ينقل أنه غير ثوبه ولا أنه غسله ، ولا أحد من المسلمين فعل ذلك ، فثبت أنهم أجمعوا على أنه ليس بنجس ، ولأنه ماء طاهر لقي جسما طاهرا فأشبه ما إذا لاقى حجارة . المسألة الثالثة : الماء المستعمل إما أن يكون مستعملا في أعضاء الوضوء أو في غسل الثياب ، أما المستعمل في أعضاء الوضوء فإما أن يكون مستعملا فيما كان فرضا وعبادة ، أو فيما كان فرضا ولا يكون عبادة ، أو فيما كان عبادة ولا يكون فرضا ، أو فيما لا يكون فرضا ولا عبادة . أما القسم الأول : وهو المستعمل فيما كان فرضا وعبادة فهو غير مطهر باتفاق أصحاب الشافعي . وأما القسم الثاني : فهو كالماء الذي استعملته الذمية التي تحت الزوج المسلم ، أي في غسل / حيضها ليحل للزوج غشيانها . وأما القسم الثالث : فهو كالماء المستعمل في الكرة الثانية والثالثة ، والماء المستعمل في تجديد الوضوء ، والماء المستعمل في الأغسال المسنونة ، فلأصحاب الشافعي في هذين القسمين وجهان : وأما القسم الرابع : فهو كالماء المستعمل في الكرة الرابعة ، وفي التبرد والتنظف ، فذاك باتفاق أصحاب الشافعي غير مستعمل ، وهو طاهر مطهر ، أما الماء المستعمل في غسل الثياب ، فإذا غسل ثوبا من نجاسة وطهر بغسلة واحدة ، يستحب أن يغسله ثلاثا فالمنفصل في الكرة الثانية والثالثة مطهر على الأصح القسم الثاني : الماء الذي يتغير فنقول الماء إذا تغير ، فإما أن يتغير بنفسه أو بغيره ، أما الأول فكالمتغير بطول المكث فيجوز الوضوء به ، لأنه عليه السلام كان يتوضأ من بئر ( قضاعة ) « 1 » ، وكان ماؤها كأنه نقاعة الحناء ، وأما المتغير بسبب غيره فذلك الغير إما أن لا يكون متصلا به أو يكون متصلا به . أما الذي لا يكون متصلا به فهو كما لو وقع بقرب الماء جيفة
هامش
( 1 ) المعروف أنه من بئر بضاعة وهي بئر معروفة بالمدينة كان يطرح فيها خرق الحيض ولحوم الكلاب والمنتن .