هواه إلهه وهذا ضعيف ، لأن قوله :
اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
يفيد الحصر ، أي لم يتخذ لنفسه إلها إلا هواه ، وهذا المعنى لا يحصل عند القلب . قال ابن عباس : الهوى إله يعبد ، وقال سعيد بن جبير : كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه واتخذ الآخر وعبده .
الثالث : قوله :
أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
أي حافظا تحفظه من اتباع هواه أي لست كذلك .
الرابع : نظير هذه الآية قوله تعالى :
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ
[ الغاشية : 22 ] وقوله :
وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ
[ ق : 45 ] وقوله :
لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ
[ البقرة : 256 ] قال الكلبي : نسختها آية القتال وثالثها : قوله :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ
أم هاهنا منقطعة ، معناه بل تحسب ، وذلك يدل على أن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها ، وهي كونهم مسلوبي الأسماع والعقول ، لأنهم لشدة عنادهم لا يصغون إلى الكلام ، وإذا سمعوه لا يتفكرون فيه ، فكأنه ليس لهم عقل ولا سمع البتة ، فعند ذلك شبههم بالأنعام في عدم انتفاعهم بالكلام وعدم إقدامهم على التدبر والتفكر وإقبالهم على اللذات الحاضرة الحسية وإعراضهم عن طلب السعادات الباقية العقلية وهاهنا سؤالات :
السؤال الأول : لم قال :
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
فحكم بذلك على الأكثر دون الكل ؟ والجواب : لأنه كان فيهم من يعرف اللَّه تعالى ويعقل الحق ، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل .
السؤال الثاني : لم جعلوا أضل من الأنعام ؟ الجواب : من وجوه : أحدها : أن الأنعام تنقاد لأربابها وللذي يعلفها ويتعهدها وتميز بين من يحسن إليها وبين من يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضره ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يميزون بين إحسانه إليهم وبين إساءة الشيطان إليهم الذي هو عدو لهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يحترزون من العقاب الذي هو أعظم المضار وثانيها : أن قلوب الأنعام كما أنها تكون خالية عن العلم فهي / خالية عن الجهل الذي هو اعتقاد المعتقد على خلاف ما هو عليه مع التصميم .
وأما هؤلاء فقلوبهم كما خلت عن العلم فقد اتصفت بالجهل فإنهم لا يعلمون ولا يعلمون أنهم لا يعلمون ، بل هم مصرون على أنهم يعلمون وثالثها : أن عدم علم الأنعام لا يضر بأحد أما جهل هؤلاء فإنه منشأ للضرر العظيم ، لأنهم يصدون الناس عن سبيل اللَّه ويبغونها عوجا ورابعها : أن الأنعام لا تعرف شيئا ولكنهم عاجزون عن الطلب وأما هؤلاء الجهال فإنهم ليسوا عاجزين عن الطلب ، والمحروم عن طلب المراتب العالية إذا عجز عنه لا يكون في استحقاق الذم كالقادر عليه التارك له لسوء اختياره وخامسها : أن البهائم لا تستحق عقابا على عدم العلم ، أما هؤلاء فإنهم يستحقون عليه أعظم العقاب وسادسها : أن البهائم تسبح اللَّه تعالى على مذهب بعض الناس على ما قال :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] وقال :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ
إلى قوله :
وَالدَّوَابُّ
[ الحج : 18 ] وقال :
وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
[ النور : 41 ] وإذا كان كذلك فضلال الكفار أشد وأعظم من ضلال هذه الأنعام .
السؤال الثالث : أنه سبحانه لما نفى عنهم السمع والعقل ، فكيف ذمهم على الإعراض عن الدين وكيف بعث الرسول إليهم فإن من شرط التكليف العقل ؟ الجواب : ليس المراد أنهم لا يعقلون بل إنهم لا ينتفعون بذلك العقل ، فهو كقول الرجل لغيره إذا لم يفهم إنما أنت أعمى وأصم .