تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 601

مساهمون:

ص٦٠١
أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر ونحو ذلك وقوله :
وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ
[ المرسلات : 27 ]
وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً
[ الحاقة : 14 ]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ الزمر : 67 ] سبحانه وتعالى وليس الغرض منه إلا تصوير أن كل مقدور وإن عظم فهو حقير بالقياس إلى قدرته . أما قوله :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
فقد تمسك به الأصحاب في كونه تعالى خالقا للخير والشر ، قال الجبائي المراد بقوله :
وَجَعَلْناهُمْ
أي بينا ذلك من حالهم وسميناهم به ، ومنه قوله :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[ الزخرف : 19 ] وتقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله جعله فاسقا وبخيلا ، لا أنه خلقهم أئمة لأنهم حال خلقهم لهم كانوا أطفالا ، وقال الكعبي : إنما قال :
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً
من حيث خلى بينهم وبين ما فعلوه ولم يعاجل بالعقوبة ، ومن حيث كفروا ولم يمنعهم بالقسر ، وذلك كقوله :
فَزادَتْهُمْ رِجْساً
[ التوبة : 125 ] لما زادوا عندها ونظير ذلك أن الرجل يسأل ما يثقل عليه ، وإن أمكنه فإذا بخل به قيل للسائل جعلت فلانا بخيلا أي قد بخلته ، وقال أبو مسلم معنى الإمامة التقدم فلما عجل اللَّه تعالى لهم العذاب صاروا متقدمين لمن وراءهم من الكافرين . واعلم أن الكلام فيه قد تقدم في سورة مريم : [ 83 ] في قوله :
أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ
ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي فإن أحدا لا يدعو إلى النار البتة ، وإنما جعلهم اللَّه تعالى أئمة في هذا الباب ، لأنهم بلغوا في هذا الباب أقص النهايات ، ومن كان كذلك استحق أن يكون إماما يقتدى به في ذلك الباب ، ثم بين تعالى أن ذلك العقاب سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه وهو معنى قوله :
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ
أو يكون معناه ويوم القيامة لا ينصرون كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة . أما قوله :
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً
معناه لعنة اللَّه والملائكة لهم وأمره تعالى بذلك فيها للمؤمنين ، وبين أنهم يوم القيامة من المقبوحين أي المبعدين الملعونين ، والقبح هو الإبعاد ، قال الليث يقال قبحه اللَّه ، أي نحاه عن كل خير . وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : من المشئومين بسواد الوجه وزرقة العين ، وعلى الجملة فالأولون حملوا القبح على القبح الروحاني ، وهو الطرد والإبعاد من رحمة اللَّه تعالى ، والباقون حملوه على القبح في الصور . وقيل فيه إنه تعالى يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم ويجمع بين الفضيحتين . ثم بين تعالى أن الذي يجب التمسك به ما جاء به موسى عليه السلام فقال :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى
والكتاب هو التوراة ، ووصفه تعالى بأنه بصائر للناس ، من حيث يستبصر به في باب الدين ، وهدى من حيث يستدل به ، ومن حيث إن المتمسك به يفوز بطلبته من الثواب ، ووصفه بأنه رحمة لأنه من نعم اللَّه تعالى على من تعبد به . وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « ما أهلك اللَّه تعالى قرنا من القرون بعذاب من السماء ولا من الأرض منذ أنزل التوراة ، غير أهل القرية التي مسخها قردة » . أما قوله :
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
فالمراد لكي يتذكروا ، قال القاضي : وذلك يدل على إرادة التذكر من كل مكلف سواء اختار ذلك أو لم يختره ، ففيه إبطال مذهب المجبرة الذين يقولون ما أراد التذكر إلا ممن يتذكر ، فأما من لا يتذكر فقد كره ذلك منه ، ونص القرآن دافع لهذا القول ، قلنا أليس أنكم حملتهم قوله تعالى :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
[ الأعراف : 179 ] على العاقبة ، فلم لا يجوز حمله هاهنا على العاقبة ، فإن عاقبة الكل حصول هذا التذكر له وذلك في الآخرة .