تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
وقيل إن القبطي الذي سخر الإسرائيلي كان / طباخ فرعون ، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه ، وقيل الرجلان المقتتلان : أحدهما السامري وهو الذي من شيعته ، والآخر طباخ فرعون واللَّه أعلم بكيفية الحال ، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ، أي سأله أن يخلصه منه واستنصره عليه ، فوكزه موسى عليه السلام ، الوكز الدفع بأطراف الأصابع ، وقيل بجمع الكف . وقرأ ابن مسعود : ( فلكزه موسى ) ، وقال بعضهم : الوكز في الصدر واللكز في الظهر ، وكان عليه السلام شديد البطش ، وقال بعض المفسرين : فوكزه بعصاه ، قال المفضل هذا غلط ، لأنه لا يقال وكزه بالعصا
فَقَضى عَلَيْهِ
أي أماته وقتله . المسألة الرابعة : احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليهم السلام من وجوه : أحدها : أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك ، فإن كان الأول فلم قال :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
ولم قال :
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ
ولم قال في سورة أخرى
فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
[ الشعراء : 20 ] ؟ وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنبا وثانيها : أن قوله :
وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ
يدل على أنه كان كافرا حربيا فكان دمه مباحا فلم استغفر عنه ، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز ، لأنه يوهم في المباح كونه حراما ؟ وثالثها : أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهرا ، فكان ذلك القتل قتل خطأ ، فلم استغفر منه ؟ والجواب : عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم . أما قوله :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
ففيه وجوه : أحدها : لعل اللَّه تعالى وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر ، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان وثانيها : أن قوله ( هذا ) إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان ، المراد منه بيان كونه مخالفا للَّه تعالى مستحقا للقتل‌و ثالثها : أن يكون قوله ( هذا ) إشارة إلى المقتول ، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه ، يقال فلان من عمل الشيطان ، أي من أحزابه . أما قوله :
رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي
فعلى نهج قول آدم عليه السلام :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا
[ الأعراف : 23 ] والمراد أحد وجهين ، إما على سبيل الانقطاع إلى اللَّه تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه ، وإن لم يكن هناك ذنب قط ، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب . أما قوله :
فَاغْفِرْ لِي
أي فاغفر لي ترك هذا المندوب ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون ، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به
فَاغْفِرْ لِي
أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون
فَغَفَرَ لَهُ
أي ستره عن الوصول إلى فرعون ، ويدل على هذا التأويل أنه على عقبه قال :
رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
ولو كانت إعانة المؤمن هاهنا سببا للمعصية لما قال ذلك . وأما قوله :
فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
فلم يقل إني صرت بذلك ضالا ، ولكن فرعون لما / ادعى أنه كان كافرا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرا في ذلك الوقت ، واعترف بأنه كان ضالا أي متحيرا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يدبر به في ذلك . أما قوله إن كان كافرا حربيا فلم استغفر عن قتله ؟ قلنا كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع فلعل قتلهم كان حراما في ذلك الوقت ، أو إن كان مباحا لكن الأولى تركه