تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
من الغيوب ، ثم يوحون به إلى أوليائهم
وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
فيما ( يوحى ) « 1 » به إليهم ، لأنهم يسمعونهم ما لم يسمعوا وثانيها : يلقون إلى أوليائهم السمع أي المسموع من الملائكة وثالثها : الأفاكون / يلقون السمع إلى الشياطين فيلقون وحيهم إليهم ورابعها : يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس ، وأكثر الأفاكين كاذبون يفترون على الشياطين ما لم يوحوا إليهم ، فإن قلت
يُلْقُونَ
ما محله ؟ قلت يجوز أن يكون في محل النصب على الحال أي تنزل ملقين السمع ، وفي محل الجر صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع ، وأن لا يكون له محل بأن يستأنف كأن قائلا قال : لم ننزل على الأفاكين ؟ فقيل يفعلون كيت وكيت ، فإن قلت كيف قال :
وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ
بعد ما قضى عليهم أن كل واحد منهم أفاك ؟ قلت : الأفاكون هم الذين يكثرون الكذب ، لا أنهم الذين لا ينطقون إلا بالكذب ، فأراد أن هؤلاء الأفاكين قل من يصدق منهم فيما يحكى عن الجن وأكثرهم يفتري عليهم .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 224 إلى 227 ]

وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ( 224 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ ( 225 ) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ( 226 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ( 227 ) اعلم أن الكفار لما قالوا : لم لا يجوز أن يقال إن الشياطين تنزل بالقرآن على محمد كما أنهم ينزلون بالكهانة على الكهنة وبالشعر على الشعراء ؟ ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى اللَّه عليه وسلم وبين الكهنة ، فذكر هاهنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء ، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون ، أي الضالون ، ثم بين تلك الغواية بأمرين : الأول :
أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ
والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في واد ، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس ، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس ، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى اللَّه تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا الثاني :
أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
وذلك أيضا من علامات الغواة ، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه ، وينفرون عن البخل ويصرون عليه ، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم ، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش ، وذلك يدل على الغواية والضلالة . وأما محمد صلى اللَّه عليه وسلم فإنه بدأ بنفسه حيث قال اللَّه تعالى له :
فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ
[ الشعراء : 213 ] ثم بالأقرب فالأقرب حيث قال اللَّه تعالى له :
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
[ الشعراء : 214 ] وكل ذلك على خلاف طريقة الشعراء ، فقد ظهر بهذا الذي بيناه أن حلال محمد صلى اللَّه عليه وسلم ما كان يشبه حال الشعراء ، ثم إن اللَّه تعالى لما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة بيانا لهذا الفرق استثنى عنهم الموصوفين بأمور أربعة : أحدها : الإيمان وهو قوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا
، وثانيها : العمل الصالح وهو قوله :
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
،
هامش
( 1 ) في الكشاف ( يوحون ) 3 / 132 ) ط . دار الفكر .