تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 534

مساهمون:

ص٥٣٤
فإن كان الأول فقد دللنا في سورة الأنعام على أن الترجيح لا يتحقق ما لم ينته إلى حد الوجوب وحينئذ يحصل المقصود ، فإن لم يفعل فيهم ما يقتضي الترجيح البتة ، امتنع قوله :
كَذلِكَ سَلَكْناهُ
كما أن طيران الطائر لما لم يكن له تعلق بكفرهم ، امتنع إسناد الكفر إلى ذلك الطيران . المسألة الخامسة : قال صاحب « الكشاف » : فإن قلت : ما موقع
لا يُؤْمِنُونَ بِهِ
من قوله
سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ
؟ قلت موقعه منه موقع الموضح ( والمبين ) « 1 » ، لأنه مسوق ( لبيانه مؤكد للجحود ) « 2 » في قلوبهم ، فاتبع ما يقرر هذا المعنى من أنهم لا يزالون على التكذيب به حتى يعاينوا الوعيد .

[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 202 إلى 209 ]

فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 202 ) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ( 203 ) أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ( 204 ) أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ( 205 ) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ( 206 ) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ( 207 ) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ ( 208 ) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ ( 209 ) اعلم أنه تعالى لما بين أنهم لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ، وأنه يأتيهم العذاب بغتة أتبعه بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة فقال :
فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ
كما يستغيث المرء عند تعذر الخلاص ، لأنهم يعلمون في الآخرة أن لا ملجأ ، لكنهم يذكرون ذلك استرواحا . فأما قوله تعالى :
أَ فَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ
فالمراد أنه تعالى بين أنهم كانوا في الدنيا يستعجلون العذاب ، مع أن حالهم عند نزول العذاب طلب النظرة ليعرف تفاوت الطريقين فيعتبر به ، ثم بين / تعالى أن استعجال العذاب على وجه التكذيب إنما يقع منهم ليتمتعوا في الدنيا ، إلا أن ذلك جهل ، وذلك لأن مدة التمتع في الدنيا متناهية قليلة ، ومدة العذاب الذي يحصل بعد ذلك غير متناهية ، وليس في العقل ترجيح لذات متناهية قليلة على آلام غير متناهية ، وعن ميمون بن مهران أنه لقي الحسن في الطواف ، فقال له عظني ، فلم يزد على تلاوة هذه الآية ، فقال ميمون : لقد وعظت فأبلغت ، وقرئ
يُمَتَّعُونَ
بالتخفيف ، ثم بين أنه لم يهلك قرية إلا وهناك نذير يقيم عليهم الحجة . أما قوله تعالى :
ذِكْرى
فقال صاحب « الكشاف » : ذكرى منصوبة بمعنى تذكرة ، إما لأن أنذر وذكر متقاربان ، فكأنه قيل مذكرون تذكرة ، وإما لأنها حال من الضمير في
مُنْذِرُونَ
، أي ينذرونهم ذوي تذكرة ، وإما لأنها مفعول له على معنى أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة ، أو مرفوعة على أنها خبر مبتدأ محذوف بمعنى هذه ذكرى ، والجملة اعتراضية أو صفة بمعنى منذرون ذوو ذكرى ، وجعلوا ذكرى لإمعانهم في التذكرة
هامش
( 1 ) في الكشاف ( والملخص ) 3 / 129 ط . دار الفكر . ( 2 ) في الكشاف ( لثباته مكذبا مجحودا ) .