تتقون مخالفتي وأنا رسول اللَّه ، وفي الثاني : ألا تتقون مخالفتي ولست آخذ منكم أجرا فهو في المعنى مختلف ولا تكرار فيه ، وقد يقول الرجل لغيره : ألا تتقي اللَّه في عقوقي وقد ربيتك صغيرا ! ألا تتقي اللَّه في / عقوقي وقد علمتك كبيرا ، وإنما قدم الأمر بتقوى اللَّه تعالى على الأمر بطاعته ، لأن تقوى اللَّه علة لطاعته فقدم العلة على المعلول ، ثم إن نوحا عليه السلام لما قال لهم ذلك أجابوه بقولهم :
أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
.
قال صاحب « الكشاف » : وقرى وأتباعك الأرذلون جمع تابع كشاهد وأشهاد أو جمع تبع كبطل وأبطال والواو للحال وحقها أن يضمر بعدها قد في
وَاتَّبَعَكَ
وقد جمع أرذال على الصحة وعلى التكسير في قولهم :
الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
[ هود : 27 ] والرذالة الخسة ، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا ، وقيل كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة .
واعلم أن هذه الشبهة في نهاية الركاكة ، لأن نوحا عليه السلام بعث إلى الخلق كافة ، فلا يختلف الحال في ذلك بسبب الفقر والغنى وشرف المكاسب ودناءتها ، فأجابهم نوع عليه السلام بالجواب الحق وهو قوله :
وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
وهذا الكلام يدل على أنهم نسبوهم مع ذلك إلى أنهم لم يؤمنوا عن نظر وبصيرة ، وإنما آمنوا بالهوى والطمع كما حكى اللَّه تعالى عنهم في قوله :
الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ
[ هود : 27 ] ثم قال :
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي
معناه لا نعتبر إلا الظاهر من أمرهم دون ما يخفى ، ولما قال :
إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي
وكانوا لا يصدقون بذلك أردفه بقوله :
لَوْ تَشْعُرُونَ
ثم قال :
وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ
وذلك كالدلالة على أن القوم سألوه إبعادهم لكي يتبعوه أو ليكونوا أقرب إلى ذلك ، فبين أن الذي يمنعه عن طردهم أنهم آمنوا به ثم بين أن غرضه بما حمل من الرسالة يمنع من ذلك بقوله :
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
والمراد إني أخوف من كذبني ولم يقبل مني ، فمن قبل فهو القريب ، ومن رد فهو البعيد ، ثم إن نوحا عليه السلام لما تمم هذا الجواب لم يكن منهم إلا التهديد ، فقالوا :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ
والمعنى أنهم خوفوه بأن يقتل بالحجارة ، فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السلام من فلاحهم ، وقال :
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً
وليس الغرض منه إخبار اللَّه تعالى بالتكذيب لعلمه أن عالم الغيب والشهادة أعلم ، ولكنه أراد إني لا أدعوك عليهم لما آذوني ، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ
أي فاحكم بيني وبينهم والفتاحة الحكومة ، والفتاح الحاكم لأنه يفتح المستغلق ، والمراد من هذا الحكم إنزال العقوبة عليهم لأنه قال عقبه :
وَنَجِّنِي
ولولا أن المراد إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى ، وقد تقدم القول في قصته مشروحا في سورة الأعراف وسورة هود .
ثم قال تعالى :
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
قال صاحب « الكشاف » : الفلك السفينة وجمعه فلك قال تعالى :
وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ
[ فاطر : 12 ] فالواحد بوزن قفل والجمع بوزن أسد « 1 » والمشحون المملوء يقال شحنها عليهم خيلا ورجالا ، فدل ذلك على أن الذين نجوا معه كان فيهم كثرة ، وأن / الفلك امتلأ
هامش
( 1 ) عبارة المفسر توهم خلاف الصحيح . فإن كلمة ( فلك ) بضم فائها وإسكان عينها يقع على المفرد والجمع ويفرق بينهما بالقرائن فقوله تعالى :فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِالمراد به الواحد لأن سفينة نوح كانت واحدة وقوله تعالى :مَواخِرَ *أريد به سفن كثيرة .