تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
البحث الثاني : في الأمور التي طلبها في الدعاء وهي مطاليب : المطلوب الأول : قوله :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
، ولقد أجابه اللَّه تعالى حيث قال :
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ *
[ البقرة : 130 ] وفيه مطالب : أحدها : أنه لا يجوز تفسير الحكم بالنبوة لأن النبوة كانت حاصلة فلو طلب النبوة لكانت النبوة المطلوبة ، أما عين النبوة الحاصلة أو غيرها ، والأول محال لأن تحصيل الحاصل محال ، والثاني محال لأنه يمتنع أن يكون الشخص الواحد نبيا مرتين ، بل المراد من الحكم ما هو كمال القوة النظرية ، وذلك بإدراك الحق ومن قوله /
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
كمال القوة العملية ، وذلك بأن يكون عاملا بالخير فإن كمال الإنسان أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، وإنما قدم قوله :
رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً
على قوله :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
لما أن القوة النظرية مقدمة على القوة العملية بالشرف وبالذات ، وأيضا فإنه يمكنه أن يعلم الحق وإن لم يعلم بالخير وعكسه غير ممكن ، ولأن العلم صفة الروح والعمل صفة البدن ، ولما كان الروح أشرف من البدن كان العلم أفضل من العمل ، وإنما فسرنا معرفة الأشياء بالحكم وذلك لأن الإنسان لا يعرف حقائق الأشياء إلا إذا استحضر في ذهنه صور الماهيات ، ثم نسب بعضها إلى بعض بالنفي أو بالإثبات ، وتلك النسبة وهي الحكم ، ثم إن كانت النسب الذهنية مطابقة للنسب الخارجية كانت النسب الذهنية ممتنعة التغير فكانت مستحكمة قوية ، فمثل هذا الإدراك يسمى حكمة حكما ، وهو المراد من قوله عليه السلام : « أرنا الأشياء كما هي » وأما الصلاح فهو كون القوة العاقلة متوسطة بين رذيلتي الإفراط والتفريط ، وذلك لأن الإفراط في أحد الجانبين تفريط في الجانب الآخر وبالعكس فالصلاح لا يحصل إلا بالاعتدال ، ولما كان الاعتدال الحقيقي شيئا واحدا لا يقبل القسمة البتة والأفكار البشرية في هذا العالم قاصرة على إدراك أمثال هذه الأشياء ، لا جرم لا ينفك البشر عن الخروج عن ذلك الحد وإن قل ، إلا أن خروج المقربين عنه يكون في القلة بحيث لا يحس به وخروج العصاة عنه يكون متفاحشا جدا فقد ظهر من هذا تحقيق ما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، وظهر احتياج إبراهيم عليه السلام إلى أن يقول :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
. المطلب الثاني : لما ثبت أن المراد من الحكم العلم ، ثبت أنه عليه السلام طلب من اللَّه أن يعطيه العلم باللَّه تعالى وبصفاته ، وهذا يدل على أن معرفة اللَّه تعالى لا تحصل في قلب العبد إلا بخلق اللَّه تعالى ، وقوله :
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
يدل على أن كون العبد صالحا ليس إلا بخلق اللَّه وحمل هذه الأشياء على الألطاف بعيد ، لأن عند الخصم كل ما في قدرة اللَّه تعالى من الألطاف فقد فعله فلو صرفنا الدعاء إليه لكان ذلك طلبا لتحصيل الحاصل وهو فاسد . المطلب الثالث : أن الحكم المطلوب في الدعاء إما أن يكون هو العلم باللَّه أو بغيره والثاني باطل ، لأن الإنسان حال كونه مستحضرا للعلم بشيء لا يمكنه أن يكون مستحضرا للعلم بشيء آخر فلو كان المطلوب بهذا الدعاء العلم بغير اللَّه تعالى ، والعلم بغير اللَّه تعالى شاغل عن الاستغراق في العلم باللَّه كان هذا السؤال طلبا لما يشغله عن الاستغراق في العلم باللَّه تعالى ، وذلك غير جائز لأنه لا كمال فوق ذلك الاستغراق فإذن المطلوب بهذا الدعاء هو العلم باللَّه ، ثم إن ذلك العلم إما أن يكون هو العلم باللَّه تعالى الذي هو شرط صحة الإيمان أو غيره ، والأول باطل لأنه لما وجب أن يكون حاصلا لكل المؤمنين فكيف لا يكون حاصلا عند إبراهيم عليه