بالقلة الذلة [ والقماءة ] « 1 » لا قلة العدد ، والمعنى أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم ، ثم اختلف المفسرون في عدد تلك الشرذمة ، فقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : كانوا ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة ، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم ، وفرعون يقللهم لكثرة من معه ، وهذا الوصف قد يستعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه ،
فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ثلاثمائة ألف .
الصفة الثانية : قوله :
وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ
يعني يفعلون أفعالا تغيظنا وتضيق صدورنا ، واختلفوا في تلك الأفعال على وجوه : أحدها : ما تقدم من أمر الحلي وغيره وثانيها : خروج بني إسرائيل عن عبودية فرعون واستقلالهم بأنفسهم وثالثها : مخالفتهم لهم في الدين وخروجهم عليهم ورابعها : ليس إلا أنهم لم يتخذوا فرعون إلها . أما الذي وصف فرعون به قومه فهو قوله :
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ
وفيه ثلاث قراءات ( حذرون ) و
( حاذِرُونَ )
و ( حادرون ) بالدال غير المعجمة .
واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهي اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث ، وإذا لم تكن كذلك وهي الشبهة أفادت الثبوت ، فمن قرأ حذرون ذهب إلى إنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ، ومن قرأ
حاذِرُونَ
فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا .
وأما من قرأ حادرون بالدال غير المعجمة فكأنه ذهب إلى نفي الحذر أصلا ، لأن الحادر هو المشمر ، فأراد إنا قوم أقوياء أشداء ، أو أراد إنا مدججون في السلاح ، والغرض من هذه المعاذير أن لا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى أو خائف منهم .
أما قوله تعالى :
فَأَخْرَجْناهُمْ
فالمراد إنا جعلنا في قلوبهم داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل ، فكان الفعل مضافا إلى اللَّه تعالى لا محالة .
وأما قوله :
مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ
فقال مجاهد : سماها كنوزا ، لأنهم لم ينفقوا منها في / طاعة اللَّه تعالى ، والمقام الكريم يريد المنازل الحسنة والمجالس البهية ، والمعنى إنا أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة ، والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها لنسلمها إلى بني إسرائيل . أما قوله كذلك فيحتمل ثلاثة أوجه : النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه ، والجر على أنه وصف لمقام كريم ، أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم ، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، أي الأمر كذلك .
أما قوله :
فَأَتْبَعُوهُمْ
أي فلحقوهم ، وقرئ ( فاتبعوهم )
مُشْرِقِينَ
داخلين في وقت الشروق من أشرقت الشمس شروقا إذا طلعت .
أما قوله :
فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ
أي رأى بعضهم بعضا ، قال أصحاب موسى :
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
أي لملحقون وقالوا يا موسى
أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا
كانوا يذبحون أبناءنا ، من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يدركوننا ، أي في الساعة فيقتلوننا ، وقرئ
فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
بتشديد الدال وكسر الراء من أدرك الشيء إذا تتابع ففنى ، ومنه قوله تعالى :
بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ
[ النمل :
هامش
( 1 ) زيادة من الكشاف 3 / 114 ط . دار الفكر .