وأما قوله :
بِالْحَقِّ
فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك ، فلان يقضي بالحق إذا كان عادلا في قضاياه .
وقال المفضل : بالحق أي بما لا يدفع ، كقوله :
وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ
[ ق : 19 ] .
أما قوله :
فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً
فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان ، ومنه قوله تعالى :
فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
.
وأما قوله تعالى :
فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله : بعدا وسحقا ودمرا ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها ، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعدا بعدوا ، أي هلكوا يقال بعد بعدا وبعدا بفتح العين نحو رشد رشدا ورشدا بفتح الشين واللَّه أعلم .
المسألة الثانية : قوله :
فَبُعْداً
بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير ، واللَّه تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم ، وقد نزل بهم العذاب دالا بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالا ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم .
[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 42 إلى 44 ]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ ( 42 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 43 ) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 )
القصة الثالثة
اعلم أنه سبحانه يقص القصص في القرآن تارة على سبيل التفصيل كما تقدم وأخرى على سبيل الإجمال كهاهنا ، وقيل المراد قصة لوط وشعيب وأيوب ويوسف عليهم السلام .
فأما قوله :
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ
فالمعنى أنه ما أخلى الديار من مكلفين أنشأهم وبلغهم حد التكليف حتى قاموا مقام من كان قبلهم في عمارة الدنيا .
أما قوله :
ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ
فيحتمل في هذا الأجل أن يكون المراد آجال حياتها وتكليفها ، ويحتمل آجال موتها وهلاكها ، وإن كان الأظهر في الأجل إذا أطلق أن يراد به وقت الموت ، فبين أن كل أمة لها آجال مكتوبة في الحياة والموت ، لا يتقدم ولا يتأخر ، منبها بذلك على أنه عالم بالأشياء قبل كونها ، فلا توجد إلا على وفق العلم ، ونظيره قوله تعالى :
إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
[ نوح : 4 ] وهاهنا مسألتان :
المسألة الأولى : قال أصحابنا : هذه الآية تدل على أن المقتول ميت بأجله إذ لو قتل قبل أجله لكان قد تقدم الأجل أو تأخر ، وذلك ينافيه هذا النص .