تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
أما قوله :
وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ
أي كما قدرنا على إنزاله فكذلك نقدر على رفعه وإزالته ، قال صاحب « الكشاف » وقوله :
عَلى ذَهابٍ بِهِ
من أوقع النكرات وأخرها للفصل . والمعنى على وجه من وجوه الذهاب به وطريق من طرقه . وفيه إيذان بكمال اقتدار المذهب وأنه لا يعسر عليه شيء وهو أبلغ في الإيعاد من قوله :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
[ الملك : 30 ] ثم إنه سبحانه لما نبه على عظيم نعمته بخلق الماء ذكر بعده النعم الحاصلة من الماء فقال :
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ
وإنما ذكر تعالى النخيل والأعناب لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام ومقام الإدام ومقام الفواكه رطبا ويابسا وقوله :
لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ
أي في الجنات ، فكما أن فيها النخيل والأعناب ففيها الفواكه الكثيرة وقوله :
وَمِنْها تَأْكُلُونَ
قال صاحب « الكشاف » يجوز أن يكون هذا من قولهم فلان يأكل من حرفة يحترفها ومن صنعة يعملها يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يحصل رزقه ، كأنه قال وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها تتعيشون . أما قوله تعالى :
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ
فهو عطف على جنات وقرئت مرفوعة على الابتداء أي ومما أنشأنا لكم شجرة ، قال صاحب « الكشاف » طور سيناء وطور سينين « 1 » لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون ، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كإمرئ القيس وبعلبك فيمن أضاف ، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء ، ومن فتح لم يصرفه لأن ألفه للتأنيث كصحراء ، وقيل هو جبل فلسطين وقيل بين مصر وأيلة ، ومنه نودي موسى عليه السلام وقرأ الأعمش سينا على القصر . أما قوله تعالى :
تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ
فهو في موضع الحل أي تنبت وفيها الدهن ، كما يقال ركب الأمير بجنده ، أي ومعه الجند وقرئ تنبت وفيه وجهان : أحدهما : أن أنبت بمعنى نبت قال زهير :
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل
والثاني : أن مفعوله محذوف ، أي تنبت زيتونها وفيه الزيت ، قال المفسرون : وإنما أضافها اللَّه تعالى إلى هذا الجبل لأن منها تشعبت في البلاد وانتشرت ولأن معظمها هناك . أما قوله : /
وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ
فعطف على الدهن ، أي إدام للآكلين ، والصبغ والصباغ « 2 » ما يصطبغ به ، أي يصبغ به الخبز ، وجملة القول أنه سبحانه وتعالى نبه على إحسانه بهذه الشجرة ، لأنها تخرج هذه الثمرة التي يكثر بها الانتفاع وهي طرية ومدخرة ، وبأن تعصر فيظهر الزيت منها ويعظم وجوه الانتفاع به .

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 21 إلى 22 ]

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 21 ) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 22 ) النوع الرابع : الاستدلال بأحوال الحيوانات .
هامش
( 1 ) في الأصل الأميري : وطور سينين ، وهو تحريف إذ سمى في كل التفاسير طورا بالطاء لا بالصاد والطور الجبل . ( 2 ) في الأصل الأميري : والمصباغ وأظنه خطأ ، أما الصباغ فهو كدباغ ما يصبغ به وقد قرئت الآية تنبت بالدهن وصباغ للآكلين فيما ذكره أبو السعود في تفسيره .
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 269 | فخر الدين الرازي