تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
على اللَّه محال وخامسها : أن هذه الأنوار لو كانت أزلية لكانت إما أن تكون متحركة أو ساكنة ، لا جائز أن تكون متحركة لأن الحركة معناها الانتقال من مكان إلى مكان فالحركة مسبوقة بالحصول في المكان الأول . والأزلي يمتنع أن يكون مسبوقا بالغير فالحركة الأزلية محال . ولا جائز أن تكون ساكنة لأن السكون لو كان أزليا لكان ممتنع الزوال لكن السكون جائز الزوال ، لأنا نرى الأنوار تنتقل من مكان إلى مكان فدل ذلك على حدوث الأنوار وسادسها : أن النور إما أن يكون جسما أو كيفية قائمة بالجسم ، والأول محال لأنا قد نعقل الجسم جسما مع الذهول عن كونه نيرا ولأن الجسم قد يستنير بعد أن كان مظلما فثبت الثاني لكن الكيفية القائمة بالجسم محتاجة إلى الجسم ، والمحتاج إلى الغير لا يكون إلها ، وبمجموع هذه الدلائل يبطل قول المانوية الذين يعتقدون أن الإله سبحانه هو النور الأعظم . وأما المجسمة المعترفون بصحة القرآن فيحتج على فساد قولهم بوجهين : الأول : قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ولو كان نورا لبطل ذلك لأن الأنوار كلها متماثلة الثاني : أن قوله تعالى :
مَثَلُ نُورِهِ
صريح في أنه ليس ذاته نفس النور بل النور مضاف إليه . وكذا قوله :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
فإن قيل قوله :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ
يقتضي ظاهره أنه في ذاته نور . وقوله :
مَثَلُ نُورِهِ
يقتضي أن لا أن لا يكون هو في ذاته نورا وبينهما تناقض ، قلنا نظير هذه الآية قولك زيد / كرم وجود ، ثم تقول ينعش الناس بكرمه وجوده ، وعلى هذا الطريق لا تناقض الثالث : قوله سبحانه وتعالى :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[ الأنعام : 1 ] وذلك صريح في أن ماهية النور مجعولة للَّه تعالى فيستحيل أن يكون الإله نورا ، فثبت أنه لا بد من التأويل ، والعلماء ذكروا فيه وجوها : أحدها : أن النور سبب للظهور والهداية لما شاركت النور في هذا النور في هذا المعنى صح إطلاق اسم النور على الهداية وهو كقوله تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] . وقوله :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً
[ الأنعام : 122 ] وقال :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
[ الشورى : 52 ] فقوله :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي ذو نور السماوات والأرض والنور هو الهداية ولا تحصل إلا لأهل السماوات ، والحاصل أن المراد اللَّه هادي أهل السماوات والأرض وهو قول ابن عباس والأكثرين رضي اللَّه عنهم وثانيها : المراد أنه مدبر السماوات والأرض بحكمة بالغة وحجة نيرة فوصف نفسه بذلك كما يوصف الرئيس العالم بأنه نور البلد ، فإنه إذا كان مدبرهم تدبيرا حسنا فهو لهم كالنور الذي يهتدى به إلى مسالك الطرق ، قال جرير :
وأنت لنا نور وغيث وعصمة
وهذا اختيار الأصم والزجاج وثالثها : المراد ناظم السماوات والأرض على الترتيب الأحسن فإنه قد يعبر بالنور على النظام ، يقال ما أرى لهذا الأمر نورا ورابعها : معناه منور السماوات والأرض ثم ذكروا في هذا القول ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منور السماء بالملائكة والأرض بالأنبياء والثاني : منورها بالشمس والقمر والكواكب والثالث : أنه زين السماء بالشمس والقمر والكواكب وزين الأرض بالأنبياء والعلماء ، وهو مروي عن أبي بن كعب والحسن وأبي العالية والأقرب هو القول الأول لأن قوله في آخر الآية :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ
يدل على أن المراد بالنور الهداية إلى العلم والعمل . واعلم أن الشيخ الغزالي رحمه اللَّه صنف في تفسير هذه الآية الكتاب المسمى بمشكاة الأنوار ، وزعم أن اللَّه نور في الحقيقة بل ليس النور إلا هو ، وأنا أنقل محصل ما ذكره