تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث ) — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
العقلية على بطلانهما أيضا أما الوجه الأول : فيدل على فساده وجوه : أحدها : أن فعل اللطف هل يرجح الداعي أو لا يرجحه فإن لم يرجحه البتة لم يكن به تعلق فلا يكون لطفا ، وإن رجحه فنقول المرجح لا بد وأن يكون منتهيا إلى حد الوجوب ، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن أو يجب ، فإن امتنع كان مانعا لا داعيا ، وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون ، فكل ما يمكن لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فليفرض تارة واقعا وأخرى غير واقع ، فامتياز وقت الوقوع عن وقت اللاوقوع ، إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المرجح هو المجموع الحاصل بعد انضمام هذا القيد ، فلا يكون الحاصل أولا مرجحا ، وإن لم يتوقف كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحا للممكن من غير مرجح وهو محال ، وأما إن اللطف مرجحا موجبا كان فاعل اللطف فاعلا للملطوف فيه ، فكان تعالى فاعلا لفعل العبد الثاني : أنه تعالى قال :
وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف واجب ، والواجب لا يتعلق بالمشيئة الثالث : أنه علق التزكية على الفضل والرحمة وخلق / الألطاف واجب فلا يكون معلقا بالفضل والرحمة وأما الوجه الثاني : وهو الحكم بكونه زكيا فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذبا والكذب على اللَّه تعالى محال ، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة ؟ فثبت أن قوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ
نص في الباب . أما قوله :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
فالمراد أنه يسمع أقوالكم في القذف وأقوالكم في إثبات البراءة ، عليم بما في قلوبكم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهيتها ، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته .

[ سورة النور ( 24 ) : آية 22 ]

وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 22 ) اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره ، فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبدا ، قال المفسرون : نزلت الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر ، وقد كان يتيما في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته ، فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن على أحد منكم ، فقال مسطح أنشدك اللَّه والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد ، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب ، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكت ! فقال قد كان ذلك تعجبا من قول حصان فلم يقبل عذره ، وقال انطلقوا أيها القوم فإن اللَّه لم يجعل لكم عذرا ولا فرجا ، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأن يتوجهون من الأرض ، فبعث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يخبره بأن اللَّه تعالى قد أنزل علي كتابا ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره ، وقرأ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الآية عليه فلما وصل إلى قوله :
أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي ، وقد تجاوزت عما كان ، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه ، وقال قبلت ما أنزل اللَّه على الرأس والعين ، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط اللَّه عليكم ، أما إذا عفا عنكم فمرحبا بكم ، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم ، وهاهنا مسائل : المسألة الأولى : ذكروا في قوله :
وَلا يَأْتَلِ
وجهين : الأول : وهو المشهور أنه من ائتلى إذا حلف ، افتعل من الألية ، والمعنى لا يحلف ، قال أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين : أحدهما : / أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف على ترك الإعطاء ، فهذا المتأول قد